النوع الأول: شهوات.
والنوع الثاني: شبهات, وهي على مراتب متعددة.
الشهوات يفعلها الإنسان نزوة لا قناعة, يعني: إذا وجد داعيها وجدت, بخلاف الشبهة فهي موجودة مستقرة في الإنسان ولو لم يوجد لها داع, باعتبار أنها عقيدة مستقرة في ذات الإنسان, ولهذا كانت الشبهة والبدعة أحب إلى إبليس من المعصية وهي الشهوة؛ وذلك أن الإنسان يفعلها تدينًا, أعني: الشبهة, فلا يكاد يدعها, ولهذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما يقبل الله من صاحب بدعة توبة) , وقد جاء هذا الحديث من عدة طرق, ومعنى ذلك أن صاحب البدعة لا يكاد يتوب منها؛ لأنه يفعلها تدينًا, فكيف يتوب من دين يتدين به إلا أن يتنكر للدين الذي يفعله, وهذا هو المراد, والإمام أحمد رحمه الله لما سئل عن معنى ذلك قال: لا يوفق إلى التوبة, ولهذا تكثر توبة الفساق وتقل توبة المبتدعة؛ لأنهم يعملون بها تدينًا.
كذلك أيضًا من وجوه خطر الشبهة التي تزيد بها على خطر الشهوة: أن الإنسان يدعو إلى شبهته وبدعته؛ لأنها دين ولا يدعو إلى شهوته؛ لأنها معصية لديه, ولهذا تجد أن الإنسان إذا فعل معصية لا يحب أن يحاكيه أقرب الناس إليه؛ فالأب إذا شرب الخمر أو ترك الصلاة أو عق والديه لا يحب أن أبناءه يكونون كذلك؛ لأنه يرى أن هذه معاص غلب فيها الإنسان شهوته ورغبته أو نحو ذلك, فلا يحب أن يكون أحد كذلك ولو كان من أحب الناس إليه, أما البدعة فإنه يحب أن يكون أقرب الناس إليه على طريقه؛ لأنه يرى أنها الحق, ولهذا كانت البدعة أخطر؛ لأن الإنسان يدعو إليها، أما الشهوة فلا يدعو إليها الإنسان.
ومن وجوه الخطورة أيضًا: أن الشهوة والمعصية تضعف بضعف داعيها كلما تقدم بالإنسان العمر, أو وجد السبب الذي يغني الإنسان عنها, فالإنسان يسرق إذا كان فقيرًا محتاجًا وضعف إيمانه, ولكن إذا اغتنى امتنع عن السرقة, لزوال السبب, ويزني إذا ضعف إيمانه ووجد دافعًا غريزيًا إلى ذلك, ولكنه إذا ضعف ذلك بوجود مزاحمة الحلال بالزواج أو نحو ذلك أو بكبر السن فإنه يضعف في هذا الباب, أما بالنسبة للبدعة فكلما زاد عمر الإنسان زاد تمسكه بها؛ لأنه يرى أنها دين, فيعظم تمسكه في البدعة كلما تقدم سنًا بخلاف المعصية, فكلما تقدم سنه وضعف الداعي إليها فإنه يبتعد عنها ويتجرد منها.
ومن أوجه الخطورة كذلك: أن البدعة يتمنى الإنسان الثبات عليها, سواء كان تاركًا لها أو قائمًا فيها, وأما المعصية ولو كان الإنسان قائمًا عليها فإنه يتمنى زوالها, والخلاص منها, ولهذا كثير من العصاة إذا أنكر عليهم قال: ادع الله لي بالهداية؛ لأنه يتمنى الخلاص, بخلاف البدعة, فإن الإنسان يدعو ربه بالبقاء عليها, وهذا لا شك أنه ممن زين له سوء عمله.