تشنيعًا، وإنما يهمنا أن نذُبّ عن دين الله، ومن الذبّ عن دين الله -تبارك وتعالى- أن نُحذّر من تفريط المفرطين ومن إفراط المفرّطين.
أن نحذر من التفريط والإفراط، أن نُحَذِّر من تمييع هذا الدين ومن تخليطه على هذه الأمة، ومن تضييعه وتلبيس الحق بالباطل، وأن نُحذِّر كذلك من التشدُّد في هذا الدين، ومن الغلو فيه، ومن الجنوح إلى ما ذهبت إليه الفرق الضالّة؛ سواء كانت الخوارج أو غيرها. وأنّ الحق هو الوسطيّة والاعتدال، والوسطيّة والاعتدال يُحدّده ويُبيّنه كتاب الله -عزّ وجل- وسنّة رسوله - صلى الله عليه وسلم - لا مجرد الدعوة التي هي عارية في حقيقتها عن البرهان والدليل. الوسطية والاعتدال هي التي قال الله -تبارك وتعالى- فيها في كتابه الكريم: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [1] .
الحمد لله وكفى أما بعد، نستأنف -إن شاء الله تعالى- ما مضى من حديثنا، وقد نبهني بعض على أنني ذكرت في معرض كلامي عن الدعوة أنها لا تقوم إلا بالدليل والبرهان، فحينما ذكرت أن تهمة الغلو وأن فلان من الخوارج هو من الاتهامات التي عمّت وفشت، وذكرتُ وأشرت إلى أن طائفة غلاة المرجئة قالوا عن الشيخ محمد سرور بأنه من الخوارج، قال القائل لي أنني قد أخطأت في العبارة وقلت غلاة الخوارج، وإنما أردت أن طائفة غلاة المرجئة يقولون عن الشيخ بأنه من الخوارج، وهو بعد ذلك يتهمنا بذلك. ونحن نقول عن غيرنا بذلك، وغيرنا يقول عن غيره، بل حتى قد رأيت ممن ينتسب إلى جماعة التبليغ يقول عمَّن ينتسب إلى حزب وطائفة الإخوان المسلمين قال: هم يشابهون طائفة الخوارج فيما يذهبون له. وهكذا كل طائفة تدّعي عن الأخرى ما تدّعيه، وقلت أنّ الأمر يبقى دعوى بلا دليل وبرهان حتى تقوم عليها دليل من كتاب أو سنة أو إجماع، وإلا فالدعوى وحدها غير كافية بل هي باطلة مردود على صحابها.
والحق أن من أراد أن يذكر شيئًا من هذه الدعاوى فإنّما عليه أن يبحث في أصل ما عليه خصمه، ثم ينظر بعد ذلك في أقوال أهل العلم -رحمهم الله-، وفي كلامهم عن معتقداتهم ومذاهب الفرق الضالة التي وُجدت في هذه
(1) سورة الأنعام، الآية: 161.