فهذا دائمًا هو إشكال العامة من المسلمين، ولذلك تجدُ مواقفَ سلف هذه الأمة -رحمهم الله تبارك وتعالى- دائمًا هو التمايزُ والدعوة إلى تجنّبُ أهل الضلال والبدع، وعدم مخالطتهم ومجالستهم.
إذا أن مخالطة العالم لأصحاب الضلال والبعد مما يوقع الشك والشبهة في نفس ذلك العاميّ، فإنّه يحتجّ عليك فيقول:"أما رأيت فلانًا يجالس فلانًا، وأما رأيت فلانًا يضاحك فلانًا ويمازحه، ولو كان يخالفه فيما هو عليه من الضلال الذي تنسبه له لما خالطه ولما جالسه"، وهكذا يقعُ الزيغُ الضلال والالتباس والتشبيه على عامة المسلمين.
ولذلك كان أهل العلم -رحمهم الله- شديدين في النهي عن مخالطة أهل البدع، وهذا النهيُ عن مخالطة أهل البدع أساسٌ في هذا الدين، فإن شرع الله -تبارك وتعالى- قد شُرِعَ فيه الزجر بالهجر، وهجر المبتدع وهجر أهل الزيغ والضلال واجبٌ في دين الله تعالى.
نعم يجوز مخالطتهم بشرط واحد؛ وهو من لأجل البيان لهم، وليس على الطريقة التي اصطلح عليه المتأخرون أو كثيرٌ ممن يظنُّ أنه يحكم على دين الله -تبارك وتعالى- بعقله ورأيه؛ حيث يرون أنه لا بدّ قبل دعوة أهل البدع وأهل الضلال إلى الدين الحق؛ فلا بد من الإكثار من معاشرتهم ومخالطتهم، ويقولون حتى تتهيّأ القلوب وحتى تتقارب النفوس، والله وحده -تبارك وتعالى- أعلم كم سيأخذ هذا التقارب وكم ستأخذ هذه التهيئة.
وربّما يمرُّ عليه عشرات من المجالس وهو يُجالس صحاب الضلالة والبدعة ويخالطه ويؤاكله ويشاربه ويمازحه ويخالطه، والعاميّ من المسلمين حين ذلك إذا رآه وسمعك وأنت تنكر على صحاب البدعة قال لك:"الشيخُ فلانٌ يجالسهم، هذا هو الذي يدعونا ويرشدنا ويعلمنا يجالسهم ويقعد معهم، ولو كان ممن ينكر عليهم ضلالهم وبدعتهم لامتنع من مخالطتهم".
ولذلك حذّر الأئمة -رحمهم الله- من الوقوع في هذه المهاوي وهذه المزالق، إذ أنّ من ينتسب إلى العلم والدين هم حُجّة الجُهَّال، فلذلك جاءت هذه الشريعة فاصلةً بين الحق والباطل في كلّ شيء.