وهناك قول وسط في المسألة: أنه يفرق باعتبار الأشخاص؛ فإن كان من العلماء والذين يفتتن الناس بقولهم فهؤلاء لا يجبيون حتى يمسوا بعذاب، وإن صبروا حتى يقتلوا فهذا أفضل، وعليه يحمل حديث خباب بن الأرت أنه أتى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان متوسدًا بردة فقال خباب: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه ... » الحديث.
وهذا كان في أول الدعوة. ففي أول الدعوة لا بد من المصابرة والمجاهدة ولا تنبغي الموافقة، أما من كان من سائر الناس فيجيب في التهديد بالقول، وهذا في حقه جائز.
هل هناك فرق بين الإكراه على القول والإكراه على الفعل؟ هذه مسألة خلافية:
فمن العلماء من يقول: لا يجوز إلا في القول، ومنهم من يجوِّز الإكراه في القول والفعل، إلا إذا تضمن الإكراه تعديًا على الغير، كمثل لو أكره على الزنا أو القتل فهذا لا يجوز وهذا هو الراجح.
وجاء في حديث عند ابن ماجه بسند صحيح: «لا ضرر ولا ضرار» ، هذا بالنسبة لما يتعلق بالإكراه.
الحالة الثانية: الجهل هل هو عذر في الشرك الأكبر أم ليس بعذر؟
وهذه مسألة من أشد المسائل، وهي مسألة عويصة، وهي من أصعب المسائل في التوحيد، وهذه المسألة كثر فيها الخلاف وفيها التباس كثير:
أما عند المتأخرين فالجهل عذر (ويقصد بالمتأخرين من عاصر الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وما بعده إلى وقتنا هذا) .
يستدلون على ذلك بأدلة منها قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] ، وقوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة: 115] ، فمن لم يتبين له يعذر، وقوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى} [النساء: 115] ، الدليل مفهوم المخالفة، واستدلوا بحديث الرجل الذي خاف من الله وقال لأهله: إذا أنا مت فحرقوني ... رواه البخاري. فقالوا: لولا جهله لعذب.
القول الثاني: أن الجهل ليس بعذر في باب الشرك الأكبر، وهذا الذي عليه القدماء قبل حدوث الخلاف وعدم العذر مجمع عليه ومن أراد بسط هذه المسألة فيراجع كتاب الجمع والتجريد ورسالة المتممة لكلام أئمة الدعوة وكتاب التوضيح والتتمات على كشف الشبهات (وكل هذه الكتب للشارح) .
وقول الله تعالى: يجوز في (قول) الرفع والجر، لكن إن ابتدأت بالرفع فعليك أن ترفع البقية، وإذا جررت الأول فعليك أن تجر البقية.
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] : هذه الآية تدل على وجوب التوحيد، إذ أن الثقلين ما خلقوا إلا لغاية واحدة، فلا بد أن تكون هذه الغاية
واجبة وهي التوحيد.
وقوله: {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} جاء عن ابن عباس (يوحدون) وهذا تفسير صحابي، وهذا التفسير تفسير الشيء ببعض أجزائه؛ لأن العبادة ليست هي التوحيد فقط، والتوحيد جزء، وتفسير الشيء ببعض أجزائه جائز وقد جاء عن السلف. مثل: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} [الأعلى: 14] قال:"صلى".