وبذلك أجاب أبناء الشيخ عبد اللطيف، الشيخ إبراهيم وعبد الله والشيخ سليمان بن سحمان؛ ردًا على من احتج من أن الشيخ محمد رحمه الله لا يكفر من عبد قبة الكواز ونحوه، ولا يكفر الوثني حتى يدعوه وتبلغه الحجة - كما صنع المؤلف - قالوا: (فيقال: نعم، فإن الشيخ محمد رحمه الله لم يكفر الناس ابتداء، إلا بعد قيام الحجة والدعوة، لأنهم إذ ذاك في زمن فترة وعدم علم بآثار الرسالة، ولذلك قال: لجهلهم وعدم من ينبههم، فأما إذا قامت الحجة فلا مانع من تكفيرهم، وإن لم يفهموها) [173] اهـ.
والشبهة التي تمسك بها المؤلف فأوجبت له تأويل كلام الشيخ محمد رحمه الله هي: أن من وقع في الشرك الأكبر لا يكفر إلا بعد قيام الحجة، وهذه بعينها وقعت لأناس في زمن الشيخ محمد رحمه الله وزمن حفيده الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن رحمه الله.
كما ذكر ذلك الشيخ إسحاق في رسالته"تكفير المعين"، فقال: (بلغنا وسمعنا من فريق ممن يدعي العلم والدين، وممن هو بزعمه مؤتم بالشيخ محمد بن عبد الوهاب؛ أن من أشرك بالله وعبد الأوثان لا يطلق عليه الكفر والشرك بعينه، وذلك أن بعض من شافهني منهم بذلك سمع من بعض الإخوان؛ أنه أطلق الشرك والكفر على رجل دعا النبي صلى الله عليه وسلم واستغاث به، فقال له الرجل: لا تطلق عليه الكفر حتى تُعرّفه ... ) .
إلى أن قال: ( ... وعند التحقيق لا يكفّرون المشرك إلا بالعموم وفيما بينهم يتورعون عن ذلك، ثم دبت بدعتهم وشبهتهم، حتى راجت على من هو من خواص الإخوان، وذلك - والله أعلم - بسبب ترك كتب الأصول وعدم الاعتناء بها، وعدم الخوف من الزيغ، رغبوا عن رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب قدس الله روحه ورسائل بنيه، فإنها كفيلة بتبيين جميع هذه الشبه جدًا كما سيمر، ومن له أدنى معرفة إذا رأى حال الناس اليوم ونظر إلى اعتقاد المشايخ المذكورين تحير جدًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وذلك أن بعض من أشرنا إليه بحثته عن هذه المسألة فقال: نقول لأهل هذه القباب الذين يعبدونها ومن فيها؛ فعلك هذا شرك وليس هو بمشرك ... ) .
إلى أن قال: ( ... وذكر الذي حدثني عن هذا؛ أنه سأله بعض الطلبة عن ذلك وعن مستدله فقال: نكفّر النوع [174] ، ولا نعين الشخص إلا بعد التعريف، ومستندنا ما رأيناه في بعض رسائل الشيخ محمد قدس الله روحه؛ على أنه امتنع من تكفير من عبد قبة الكواز وعبد القادر من الجهال لعدم من ينبههم ... ) .
إلى أن قال رحمه الله: ( ... ولا نقول إلا ما قال مشايخنا الشيخ محمد في"إفادة المستفيد"وحفيده - أي الشيخ عبد اللطيف وقد تقدم كلامه في النقل الثاني - في رده على العراقي، وكذلك هو قول أئمة الدين قبلهم، ومما هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام؛ أن المرجع في مسائل أصول الدين إلى الكتاب والسنة وإجماع الأمة المعتبر، وهو ما كان عليه الصحابة، وليس المرجع إلى عالم بعينه في ذلك، فمن تقرر عنده هذا الأصل تقريرًا لا يدفعه شبهة وأخذ بشراشير قلبه، هان عليه ما قد يراه من الكلام المشتبه في بعض مصنفات أئمته، إذ لا معصوم إلا النبي صلى الله عليه وسلم، ومسألتنا هذه هي عبادة الله وحده لا شريك له والبراءة من عبادة ما سواه، أن من عبد مع الله غيره فقد أشرك الشرك الأكبر الذي ينقل عن الملة، هي أصل الأصول، وبها أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، وقامت على الناس الحجة بالرسول والقرآن، وهكذا تجد الجواب من أئمة الدين في ذلك الأصل عند تكفير من أشرك بالله، فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، لا يذكرون التعريف في مسائل الأصول، إنما يذكرون التعريف في المسائل الخفية التي قد يخفى دليلها على بعض المسلمين، كمسائل نازع فيها بعض أهل البدع كالقدرية والمرجئة، أو في مسائل خفية كالصرف والعطف، وكيف يعرفون عباد القبور وهم ليسوا بمسلمين، ولا يدخلون في مسمى الإسلام، وهل يبقى مع الشرك عمل والله تعالى يقول: {لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} ؟!) ، ثم ذكر آيات.
إلى أن قال: (هذه الشبهة التي ذكرنا؛ قد وقع مثلها أو بعضها لأناس في زمن الشيخ محمد رحمه الله، ولكن من وقعت له يراها شبهة ويطلب كشفها، وأما من ذكرنا؛ فإنهم يجعلونها أصلًا ويحكمون على عامة المشركين بالتعريف، ويجهلون من خالفهم، فلا يوفقون للصواب) اهـ.
وهكذا تجد علماء نجد رحمهم الله ينزلون من كان منتسبًا للإسلام وهو متلبس بشرك أكبر؛ منزلة أهل الفترات إذا كان ممن لم تبلغه الدعوة.
ومما يزيد ذلك بيانًا؛ ما أجاب به أبناء الشيخ محمد والشيخ حمد بن ناصر آل معمر عن حكم من قتل وهو يفعل الشرك جهلًا منه بذلك، قبل ظهور هذه الدعوة - السؤال بمعناه - فقالوا رحمهم الله: (إذا كان يعمل بالكفر والشرك لجهله، وعدم من ينبهه، لا نحكم بكفره حتى تقام عليه الحجة، ولكن لا نحكم بأنه مسلم، بل نقول عمله هذا كفر، يبيح المال والدم، وإن كنا لا نحكم على هذا الشخص لعدم قيام الحجة عليه، لا يقال؛ إن لم يكن كافرًا فهو مسلم، بل نقول؛ عمله عمل الكفار، وإطلاق الحكم على هذا الشخص بعينه متوقف على بلوغ الحجة الرسالية، وقد ذكر أهل العلم: أن أصحاب الفترات يمتحنون يوم القيامة في العرصات، ولم يجعلوا حكمهم حكم الكفار ولا حكم الأبرار، وأما حكم هذا الشخص إذا قُتِلَ، ثم أسلم قاتله؛ فإنا لا نحكم بديته على قاتله إذا أسلم، بل نقول؛ الإسلام يجبُّ ما قبله، لأن القاتل قَتَلَه في حال كفره، والله سبحانه وتعالى أعلم) [175] اهـ.
والشيخ محمد لم يتوقف في كفر من عبد القباب والأوثان، كما في قوله: (فاعلم أن التوحيد الذي دعت إليه الرسل، من أولهم إلى آخرهم، إفراد الله في العبادة كلها ... ) .
إلى أن قال: ( ... فمن عبد الله ليلًا ونهارًا ثم دعا نبيًا أو وليًا عند قبر؛ فقد اتخذ إلهين اثنين ولم يشهد أن لا إله إلا الله، لأن الإله هو المدعو، كما يفعل المشركون اليوم عند قبر الزبير أو عبد القادر أو غيرهما) .
ثم ذكر من ذبح لغير الله فقال: (فقد جعل إلهين اثنين، كما قال تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحيايى ومماتي لله رب العالمين} ، والنسك هو الذبح، وعلى هذا فقس، فمن أخلص العبادات كلها لله، ولم يشرك فيها غيره؛ فهو الذي شهد أن لا إله إلا الله، ومن جعل فيها مع الله غيره؛ فهو المشرك الجاحد لقوله لا إله إلا الله، وهذا الشرك الذي ذكره الله قد طبق اليوم مشارق الأرض ومغاربها، إلا الغرباء المذكورين في الحديث، وقليل ما هم، وهذه المسألة لا خلاف فيها بين أهل العلم من كل المذاهب) [176] اهـ.
وأيضًا هناك شبهة تمسك بها من لم يفهم كلام الشيخ فيما وجدوه من كلام الشيخ للشريف قوله: (ونكفره بعد التعريف، إذا عرفناه وأنكر) .
وجوابنا على هذه المسألة؛ هو عين ما أجاب به حفيد الشيخ محمد الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمهم الله قائلًا: (وقول شيخنا رحمه الله في جوابه للشريف: ونكفره بعد التعريف إذا عرفناه وأنكر، قول صحيح، فإن العلماء رحمهم الله ذكروا أن المرتد يستتاب ويعرّف، فإن أصر وأنكر؛ يكفر بذلك) [177] اهـ.
فانظر - وفقنا الله وإياك - إلى قوله رحمه الله: (أن المرتد يستتاب ويُعرّف) ، فذكر التعريف بعد الحكم عليه بالردة، فتبين أن التعريف لإنزال العقوبة لا ليسمى مرتدًا، وانظر إلى قوله: (فإن أصر وأنكر يكفر) ، مفرق بين الكفر قبل التعريف والاستتابة، وهو الردة، والكفر بعد التعريف والاستتابة، وهو الأحكام المترتبة على الردة.
ولنذكر كلام الشيخ عبد الله أبا بطين في التفريق بين الكفر قبل الاستتابة وبعدها، قال رحمه الله: (نقول في تكفير المعين ظاهر الآيات والأحاديث وكلام جمهور العلماء تدل على كفر من أشرك بالله فعبد معه غيره، ولم تفرق الأدلة بين معين وغيره، قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به} ، وقال تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} ، وهذا عام في كل واحد من المشركين وجميع العلماء في كتب الفقه يذكرون حكم المرتد وأول ما يذكرون من أنواع الكفر والردة، الشرك، فقالوا إن من أشرك بالله كفر، ولم يستثنوا الجاهل ... ) .
إلى أن قال: ( ... ويذكرون أنواعًا كثيرة مجمعًا على كفر صاحبها، ولم يفرقوا بين المعين وغيره، ثم يقولون: فمن ارتد عن الإسلام قتل بعد الاستتابة، فحكموا بردته قبل الحكم باستتابته، فالاستتابة بعد الحكم بالردة والاستتابة إنما تكون للمعين) [178] اهـ.
فهذا كلام أبناء الشيخ محمد رحمه الله وتلاميذه وأحفاده وتلاميذهم، كلها تدل على أن طريقة الشيخ تكفير من عبد غير الله وعدم التوقف فيه، والتفريق بين الإسم قبل قيام الحجة والحكم بعدها، ومن أعظم ما يبين طريقة الشيخ كلامه، وقد تقدم بعضه.
وأيضًا ما نقله عنه الشيخ إسحاق في بيان عقيدته والذب عنه فيما نُسِبَ إليه، قائلًا: (فأردت أن أذكر طرفًا من أخباره، وأحواله يعلم الناظر فيه حقيقة أمره، فلا يروج عليه الباطل، ولا يغتر بحائد عن الحق مائل) .
ثم ذكر جملة من اعتقاد الشيخ رحمه الله، إلى أن قال: (فجنس هؤلاء المشركين وأمثالهم ممن يعبد الأولياء والصالحين؛ نحكم بأنهم مشركون، ونرى كفرهم، إذا قامت عليهم الحجة الرسالية، وما عدا هذا من الذنوب التي هي دونه في المرتبة والمفسدة؛ لا نكفّر بها، ولا نحكم على أحد من أهل القبلة الذين باينوا لعباد الأوثان والأصنام والقبور لمجرد ذنب ارتكبوه، وعظيم جرم اجترموه) [179] اهـ.
فانظر هدانا الله وإياك إلى كلام الشيخ محمد رحمه الله في الحكم بالشرك على من عبد الأوثان بقوله: (نحكم بأنهم مشركون) ، فسماهم مشركين قبل قيام الحجة، وعندما أراد العقوبة قال: (ونرى كفرهم إذا قامت عليهم الحجة الرسالية) ، وبهذا يتبين اعتقاد الشيخ في هذه المسألة، وخطأ المؤلف؛ بأن الشيخ لا يكفر من تلبس بالشرك إلا بعد إقامة الحجة، ظانًا أن الشيخ ينفي عنهم اسم الشرك وحكمه جميعًا.
وأما النقل الثالث:
وهو ما أخطأ به المؤلف على الأمير الصنعاني رحمه الله، وتقويله إياه ما لم يقل.
قال المؤلف: (يعتمد الذين يحكمون على الناس بالشرك على التعيين وعلى العموم - بمجرد أفعال الشرك الظاهر - على كلمة للإمام الصنعاني رحمه الله تقتضي التكفير بالعموم دون تبين لحال المعين ونظر في قصده) ، وقوله: (فهكذا يحكم الإمام الصنعاني بأن من تلبس بعمل من أعمال الشرك، فإنه يكون مرتدًا، وإن لم يقصد معنى كلامه أو ما يدل عليه ظاهر فعله ابتداء) [انظر: ص 235 - 236] .
الجواب:
ليس في كلام الصنعاني رحمه الله ما يقتضي التكفير بالعموم، لانصًا ولا ظاهرًا ولا مفهومًا، ولكن المؤلف توهم ذلك بناء على أصله الفاسد - وهو عدم تسمية من وقع في الشرك مشركًا إلا بعد قيام الحجة عليه وفهمها إياه، وأن يكون قاصدًا للكفر - وإنما نص الصنعاني؛ هو تكفير من وقع في الشرك الأكبر القطعي المجمع على تكفير فاعله، وقتله بعد الاستتابة، ولم يتطرق لغير ذلك.
وهذا نصه، قال رحمه الله: (فإن قلت أفيصير هؤلاء الذين يعتقدون في القبور والأولياء والفسقة والخلعاء مشركين كالذين يعتقدون في الأصنام؟ قلت: نعم قد حصل منهم ما حصل من أولئك، وساووهم في ذلك، بل زادوا في الإعتقاد والإنقياد والإستعباد فلا فرق بينهم ... ) ، إلى أن قال: ( ... فإن تعظيمهم الأولياء ونحرهم النحائر لهم شرك) .
فهذه الأعمال الشركية التي أنكر المؤلف على الصنعاني الحكم بالشرك على أهلها وتسميتهم مشركين كما نقله المؤلف عنه.
ثم يقول المؤلف: (وكلام الإمام الصنعاني لو كان فيمن عبد غير الله وتقرب إلى غيره بأي نوع من أنواع العبادة؛ لكان صحيحًا) اهـ.
فسبحان الله، وصدق الله: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرا} ، أليس الذي ذكره الأمير الصنعاني رحمه الله عن هؤلاء المشركين من عبادتهم للقبور وما يعتقدونه بالأولياء عبادة لغير الله؟ فإن قُلتَ: لا فالكلام ساقط معك، وإن قُلتَ: بلى، فما وجه الإنكار على الصنعاني إذًا؟!
وما معنى قولك: (وكلام الإمام الصنعاني لو كان فيمن عبد غير الله ... لكان صحيحًا) ، وأيضًا قلت في أول كلامك: (كلمة للإمام الصنعاني رحمه الله تقتضي التكفير بالعموم ... الخ) .
ثم جزمت وزال الشك عنك، وكُنتَ ناقلًا فأَصبحت مدعي، فَقلتَ: (فهكذا يحكم الإمام الصنعاني بأن من تلبس بعمل من أعمال الشرك، فإنه يكون مرتدًا، وإن لم يقصد معنى كلامه أو ما يدل عليه ظاهر فعله ابتداء) ، فاضطربت الأصول فتناقضت، وتنافرت الكلمات فتخالفت.
والذي أنكره المؤلف على الصنعاني هو ما يذكره الفقهاء من كل مذهب في كتب الفقه في"باب حكم المرتد"، كما نقله المؤلف نفسه عن الصنعاني قوله: (قد صرح الفقهاء في كتب الفقه في"باب الردة": أن من تكلم بكلمة الكفر يكفر، وإن لم يقصد معناها) .
فإن هذا الكلام للفقهاء، وإنما الصنعاني ناقل عنهم، وهي عبارة صحيحة.
والصنعاني رحمه الله قد بين مراده بذلك، فقال: (فهذا الذي يفعلونه لأوليائهم هو عين ما فعله المشركون وصاروا به مشركين، ولا ينفعهم قولهم نحن لا نشرك بالله شيئًا، لأن فعلهم أكذب قولهم، فإن قلتَ: هم جاهلون أنهم مشركون بما يفعلونه، قلت: قد صرح الفقهاء في كتب الفقه ... الخ) .
فتبين مراد الصنعاني؛ من أن نفيهم عن أنفسهم أنهم فعلوا الشرك لا ينفعهم، لأن تغيير الأسماء والألفاظ لا يغير الحقائق والمعاني، هذا إذا لم يكن إلا ما نقله المؤلف عن الصنعاني، فكيف وقد بين الصنعاني في نفس الفصل - الذي نقل عنه المؤلف - مراده بذلك.
فقال رحمه الله: (والأسماء لا أثر لها ولا تغير المعاني ضرورة لغوية وعقلية وشرعية، فإن من شرب الخمر وسماها ماء؛ ما شرب إلا خمرًا، وعقابه عقاب شارب الخمر ... ) ، إلى أن قال: ( ... وكذلك تسمية القبر مشهدًا، ومن يعتقدون فيه وليًا؛ لا يخرجه عن إسم الصنم والوثن، إذ هم معاملون لها معاملة المشركين للأصنام) .
وقد سُئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين رحمه الله عن قول الصنعاني: (أنه لا ينفع قول من فعل الشرك؛ أنا لا أشرك بالله) ؟ فأجاب: (يعني أنه إذا فعل الشرك فهو مشرك، وإن سماه بغير اسمه) .
وسُئل أيضًا عما نقله الصنعاني عن الفقهاء: (وقد صرح الفقهاء في كتبهم؛ بأن من تكلم بكلمة الكفر يكفر، وإن لم يقصد معناها) ، فأجاب قائلًا: (فمرادهم بذلك: أن من يتكلم بكلام كفر - مازحًا أو هازلًا - وهو عبارة كثير منهم في قولهم: من أتى بقول أو فعل صريح في الاستهزاء بالدين، وإن كان مازحًا، لقوله تعالى: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} ، وأما من تكلم بكلمة الكفر، لا يعلم أنها كفر، فعُرِّف بذلك؛ فرجع، فإنه لا يحكم بكفره، كالذين قالوا: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط) [180] اهـ.
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: (إذا نطق بكلمة، ولم يعلم معناها صريحًا أنه نطق بما لا يعرف معناه، وأما كونه لا يعرف أنها تكفره؛ فيكفي فيه قوله تعالى: {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} ، فهم يعتذرون من النبي صلى الله عليه وسلم ظانين أنها لا تكفرهم) [181] اهـ.
وما نقله الصنعاني رحمه الله عن الفقهاء: (أن من تكلم بكلمة الكفر يكفر وإن لم يقصد معناها) ، هو الذي عَناه الشيخ محمد بقوله: (وأما كونه لا يعرف أنها تكفّره فيكفي فيه قوله تعالى: {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} ) ، وهو قول أبا بطين المتقدم أنفًا، وأما إذا لم يعلم معناها؛ فهو الذي قال فيه الشيخ محمد: (إنه نطق بما لا يعرف معناه) ، واستدل له الشيخ أبا بطين بذات أنواط.
والمؤلف لم يفرق بين الحالتين، فازدحمت عليه الأمور واشتبهت، فجعلهما صورةً واحدة، فلذا أنكر ذلك على الصنعاني، ظنًا منه أنه قوله، ولم يدر أن في هذا إنكار على جميع العلماء وتخطئة للفقهاء.
وأما ما ذكره المؤلف؛ من أن الصنعاني يكفّر بالعموم ويجعل من تلبس بالشرك كَافرًا كُفْرًا أصليًا، فإن الصنعاني رحمه الله لا يقتضي كلامه التكفير بالعموم، وإنما كفّر عبّاد الأصنام والقبور والأوثان، وهؤلاء لا خلاف بين أهل القبلة في تكفيرهم.
وأما ما نقله عن الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ؛ فإنه لم ينكر عليه التكفير بالعموم، ولو كان كذلك لأنكر عليه، ولم ينكر عليه كونهم كفارًا.
كما بينه قوله الذي نقله المؤلف عنه: (وإنما تكلم الناس في بلاد المشركين الذين يعبدون الأنبياء والملائكة والصالحين ويجعلونهم أندادًا لله رب العلمين، أو يسندون إليهم التصرف والتدبير كغلاة القبوريين، فهؤلاء تكلم الناس في كفرهم وشركهم وضلالهم، والمعروف المتفق عليه عند أهل العلم؛ أنه من فعل ذلك ممن يأتي بالشهادتين يحكم عليه بعد بلوغ الحجة بالكفر والردة ولم يجعلوه كافرًا أصليًا) .
وإنما أنكر عليه في جعله إياهم كفارًا كفرا أصليًا.
والشيخ عبد اللطيف يقول في عبّاد القبور: (لا يُسمّون مسلمين ولا يدخلون في مسمى المسلمين) .
مع أن الشيخ عبد اللطيف نقل قبل الموضع الذي نقله المؤلف بسطرين؛ من حكى الإجماع على كفر من أشرك بالله وأنها من ضروريات الإسلام، ومن أفردوا في ذلك مصنفات، وعدّ منهم الأمير الصنعاني رحمه الله.
وأما قول الصنعاني: (فصاروا حينئذٍ كفارًا كفرًا أصليًا) :
فإن كان قول الصنعاني - كما قال الشيخ عبد اللطيف - أن الصنعاني يحكم على من أتى بالشهادتين ثم وقع في الشرك أنه كافرًا أصليًا، لعدم علمه بمدلولهما، فالإنكار على الصنعاني متوجه.
وأما إن كان - كما قال الشيخ أبا بطين في جوابه لمن سأله عن قول الصنعاني: (فصاروا كفارًا كفرًا أصليًا) ؛ يعني أنهم نشأوا على ذلك - فليس حكمهم كالمرتدين الذين كانوا مسلمين ثم صدر منهم شرك أكبر، فالانكار غير متوجه، والله أعلم.
وقد سُئل الشيخ حمد بن ناصر آل معمر: (عن قول الفقهاء؛ إن المرتد لا يرث ولا يورث، فكفار زماننا هل هم مرتدون؟ أم حكمهم حكم عبدة الأوثان، وأنهم مشركون؟) ، فأجاب:(أما من دخل في دين الإسلام ثم ارتد، فهؤلاء مرتدون، وأمرهم عندك واضح، وأما من لم يدخل في دين الإسلام، بل أدركته الدعوة الإسلامية، وهو على كفره، كعبدة الأوثان، فحكمه حكم الكافر الأصلي، لأنّا لا نقول الأصل إسلامهم، والكفر طارئ عليهم، بل نقول: الذين نشؤوا بين الكفار، وأدركوا آبائهم على الشرك بالله؛ هم كآبائهم، كما دل عليه الحديث الصحيح في قوله:"فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه".
فإن كان دين آبائهم الشرك بالله، فنشأ هؤلاء واستمروا عليه، فلا نقول الأصل الإسلام والكفر طارئ، بل نقول: هم الكفار الأصليون، ولا يلزمنا على هذا تكفير من مات في الجاهلية قبل ظهور الدين، فإنّا لا نكفر الناس بالعموم، كما أنا لا نكفر اليوم بالعموم.
بل نقول: من كان من أهل الجاهلية، عاملًا بالإسلام، تاركًا للشرك، فهو مسلم، وأما من كان يعبد الأوثان، ومات على ذلك قبل ظهور هذا الدين، فهذا ظاهره الكفر، وإن كان يحتمل أنه لم تقم عليه الحجة الرسالية، لجهله وعدم من ينبهه، لأنّا نحكم على الظاهر، وأما الحكم على الباطن فذلك إلى الله، والله تعالى لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، كما قال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} .
وأما من مات منهم مجهول الحال، فهذا لا نتعرض له، ولا نحكم بكفره ولا بإسلامه، وليس ذلك مما كلفنا به، {تلك أمة قد خلت لها ماكسبت ولكم ما كسبتم ولاتسألون عما كانوا يعملون} ، فمن كان منهم مسلمًا أدخله الله الجنة، ومن كان كافرًا أدخله الله النار، ومن كان منهم لم تبلغه الدعوة فأمره إلى الله، وقد علمت الخلاف في أهل الفترات، ومن لم تبلغه الحجة الرسالية) [182] اهـ.
تمت الرسالة بعون الله
والحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمدٍ بن عبد الله
وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسنٍ إلى يوم الدين آمين
"اللهم رب جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، فاهدنا إلى ما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم".
تم الفراغ من مسودة الرسالة في منتصف ربيع الآخر لسنة ألف وأربع مائة وثمانية عشرة من الهجرة النبوية وُبيضت لثمانٍ بقين من شهر الله المحرم لسنة ألفٍ وأربع مائةٍ واثنين وعشرون.
كتبه: أبو خالد الخالدي
الأحساء، الهفوف
[163] الرد على البكري: 2/ 731 - 732.
[164] مجموع الفتاوى: 2/ 78.
[165] ص 95 - 96، بهامش: كتاب الإستغاثة.
[166] مجموع الفتاوى: 19/ 47 - 48.
[167] قاعدة عظيمة: ص 165 - 166.
[168] قاعدة عظيمة: 73 - 74، 152 - 154.
[169] مجموع الفتاوى: 1/ 126، 3/ 422.
[170] الرد على البكري: 1/ 169 - 202، 2/ 480.
[171] منهاج التأسيس: 222 - 223 - 227.
[172] انظر: ص 29.
[173] الدرر السنية: 10/ 434 - 435.
[174] قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في أثناء رده على من امتنع من تعيين من عبد غير الله بالكفر: (هل قال واحد من هؤلاء من الصحابة إلى زمن منصور - البهوتي - إن هؤلاء يكفر أنواعهم لا أعيانهم) الدرر السنية: 10/ 69، وراجع: مفيد المستفيد، الدرر السنية: 9/ 404، 10/ 389 - 401 - 402 - 404 - 417.
[175] الدرر السنية: 10/ 136 - 137 - 335، 7/ 144 - 145.
[176] الدرر السنية: 10/ 61 - 62.
[177] مصباح الظلام: 118.
[178] الدرر السنية: 10/ 401 - 402، 10/ 416 - 417، 10/ 368.
[179] الدرر السنية: 1/ 515 - 522.
[180] الدرر السنية: 10/ 419.
[181] الدرر السنية: 10/ 125.
[182] الدرر السنية: 10/ 335 - 336 - 449، 7/ 144.