ونقل عن الشيخ عبد اللطيف رحمه الله أنه قال: (وينبغي أن يعلم الفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة، فإن من بلغته دعوة الرسل فقد قامت عليه الحجة إذا كان على وجه يمكن معه العلم، ولا يشترط في قيام الحجة أن يفهم عن الله ورسوله ما يفهمه أهل الإيمان والقبول والإنقياد لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فافهم هذا يكشف عنك شبهات كثيرة في مسألة قيام الحجة، قال تعالى: {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا} ، قال تعالى: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة} ) .
قال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله: (قلت: ومعنى قوله رحمه الله؛"إذا كان على وجه يمكن معه العلم"، فمعناه أن لا يكون عديم العقل والتمييز كالصغير والمجنون أو يكون ممن لا يفهم الخطاب، ولم يحضر ترجمان يترجم له ونحو هؤلاء، فمن بلغته رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وبلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة) [99] اهـ.
فهؤلاء أئمة الدعوة يقولون بالفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة، وأن قيامها نوع وفهمها نوع آخر.
والمؤلف يقول: (وعلى هذا فلا يقال أن قيام الحجة شيء وفهمها شيء آخر) .
فهل قصد المؤلف تخطئة أئمة الدعوة النجدية رحمهم الله أجمعين وأن الأمة أجمعت على ضلالةٍ قرنينن كاملين؟! أم ظن أنهم قد أتوا ببدع من القول لم يسبقهم إليه أحد من أئمة أهل السنة والجماعة؟! وأنهم في ذلك مبتدعون لا متبعون.
فهذه أقاويل أهل السنة والجماعة تطابق أقوال أئمة الدعوة، وقد تقدم ما نقله ابن جرير عن الصحابة والتابعين في تفسير قوله تعالى: {ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمى فهم لا يعقلون} ، وما نقلناه سابقًا عن ابن مندة وابن تيمية وابن القيم وابن كثير وغيرهم من أئمة الإسلام رحمهم الله أجمعين.
وأما قول المؤلف: (إذا كان المراد بالفهم؛ فهم الدلالة، فإنه إنما تقوم الحجة به) .
فقد أخطأ المؤلف حيث قصر فهم الدلالة على معرفة الحق في نفس الأمر وعدم وجود شبهة في عدم قبول الحجة، بقوله: (حكم التكفير يتعلق بقيام الحجة على المعين ولا تكون الحجة قائمة عليه إلا إذا فهمها ما لم تكن له شبهة في عدم قبولها) .
وهذا خطأ واضح فاضح، فإن مراد أهل العلم بفهم الدلالة؛ هو فهم مدلول الخطاب لا معرفة الحق والصواب في نفس الأمر، كمخاطبة كل أهل لغة بلسانهم، فالأعجمي يخاطب باللغة الأعجمية، والعربي بلغته، وأما معرفته أن هذا حق بعينه أم لا؛ فهذا لم يشترطه أحد من أهل العلم، قال تعالى: {وما أرسلنا من رسولٍ إلابلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم} ، ولكن الذي أوجب ذلك للمؤلف؛ أصله الباطل من أن جميع أنواع الكفر ترجع إلى كفر العناد، وقد تقدم بيان فساده كما مر بنا من قبل، فلا حاجة إلى إعادته.
وقال شيخ الإسلام: (الصنف الثالث: من سمع الكلام وفقهه، لكنه لم يقبله ولم يطع أمره، كاليهود الذين قال الله فيهم: {من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلًا} ) [100] اهـ.
الصنف الرابع: (الذين سمعوا سماع فقه وقبول، وهذا هو السماع المأمور به، كما قال تعالى: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق} ) [101] اهـ [102] .
[77] مجموع الفتاوى: 16/ 8.
[78] مفتاح دار السعادة: 1/ 331.
[79] الأنبياء، آية: 1 - 2.
[80] مجموع الفتاوى: 16/ 9 - 10.
[81] مفتاح السعادة: 92، ط دار الكتب العلمية.
[82] ص 123 - 122.
[83] تحفة الأخوان: ص 37 - 38.
[84] مفتاح دار السعادة: 1/ 331.
[85] الأعراف، آية: 30.
[86] مجموع الفتاوى: 7/ 166.
[87] معارج القبول: 2/ 593.
[88] الفتاوى الكبرى: 5/ 163.
[89] الدرر السنية: 11/ 478 - 479.
[90] منهاج السنة: 8/ 575 - 576، منهاج التأسيس: 18 - 19 - 10 4، للشيخ عبد اللطيف آل الشيخ.
[91] مجموعة التوحيد: 1/ 9.
[92] 1/ 314، نقل أثر علي من تفسير ابن جرير.
[93] الكهف، آية: 103 - 104.
[94] عقيدة الموحدين: ص 18.
[95] الدرر السنية: 11/ 74، ويقع جواب شيخ الإسلام محمد في المجلد العاشر من الدرر السنية: ص 93، ونود أن ننبه وقع هناك زيادة قد تحيل المعنى بعد قول الشيخ: (فإن الكفار والمنافقين) ، زيادة: (من المسلمين) ، وقد تم مقابلة رسالة الشيخ بما نقله عنها تلاميذه وأحفاده ولم يذكروا هذه الزيادة.
[96] الدرر السنية: 10/ 359 - 360.
[97] الدرر السنية: 10/ 433.
[98] رسالة"حكم تكفير المعين والفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة": ص 15.
[99] ص 91 - 92.
[100] مجموع الفتاوى: 16/ 12.
[101] مجموع الفتاوى: 16/ 12 - 13، 1/ 208.
[102] تنبيه: وقع خطأ في السطر السادس من أسفل الصفحة قول الشيخ: (هؤلاء من الصنف الأول) ، والصواب: (الثاني) .