{وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدنّ في الأرض مرّتين ولتعلنّ علوًّا كبيرًا * فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادًا لنا أولي بأسٍ شديدٍ فجاسوا خلال الديار وكان وعدًا مفعولًا * ثمّ رددنا لكم الكرّة عليهم وأمددناكم بأموالٍ وبنين وجعلناكم أكثر نفيرًا * إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعْدُ الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أوّل مرّة وليتبّروا ما علو تتبيرًا * عسى ربّكم أن يرحمكم وإن عدّتم عدنا وجعلنا جهنّم للكافرين حصيرًا} [الإسراء: 4 - 8] .
فهذه الآيات قد ذكر فيها سبحانه وتعالى عصيان بني إسرائيل ومخالفتهم أمر الله تعالى وأنّهم يستكبرون استكبارًا شديدًا بعلوّهم وجراءتهم على الله تعالى.
قلتُ: وقد أطال المفسّرون رحمهم الله تعالى في بيان المرّتين المشار إليهما وذِكْر من سُلِّطَ عليهم فيهما، وغالبهم ذكر أنّ المرّتين قد سبقتا، فأوّل المرّتين قتل زكريّا عليه السلام، والآخرة قتل يحيى بن زكريا.
وأضاف الزمخشريّ في الثانية: «وقَصْد قتل عيسى بن مريم» ، وكذا ذكره ابن جرير وابن عطيّة وابن حبّان الأندلسيّان والقرطبي وابن كثير وغيرهم رحمهم الله.
وفي هذا الذي قالوه بحثٌ ونظر، فإنّ عمدتهم في ذلك كما قال العلاّمة الشنقيطي رحمه الله تعالى في «الأضواء» أخبارٌ إسرائيلية مشهورة في كتب التاريخ والتفسير، والعلم عند الله تعالى. (4) ومع ذلك فإنّ موضع الدلالة على ما سقناه لأجله لا إشكال فيه بحمد الله تعالى، وهو أنّ الله تعالى لمّا بيّن أنّ إفسادهم في الأرض وعلوّهم فيها سببٌ لبعثِ من يسومهم سوءَ العذاب توعّدهم تعالى بأنّهم كلّما عادوا إلى معصيته وخلاف أمره وقتل رسله وتكذيبهم عاد عليهم بالقتل والسبي وإحلال الذلّة والصغار بهم.