فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 210

التعْريفُ بالتصْنِيفِ وبيانُ سَبَبِهِ

ذلك أنهُ - أدامَ اللهُ علَيْهِ النِّعْمَةَ - ذكرَ قولَ العلامةِ الألبانِي رَحِمَهُ الله في الإجازةِ؛ وأنها في الأزمان المتأخرة لا تقدِّمُ ولا تؤخر؛ وإنما هي لبقاءِ ما اختصَّ الله به أَمَّةَ المسلمين من الإسناد في الدين؛ حتى زَهَتْ به على مَن سِواها مِنَ الأُمَم.

وكنت قد سمعتُ هذا عن الشيخ رحمه الله قبل مدة طويلة؛ كما سمعته عن غيره ممن يقول بقوله من الطلبة؛ ورأيته في بعض الكتب.

ثم لا زلتُ أسمع هذا من بعدُ المرة بعد المرة؛ وأتعجب منه!؛ لأن عَصْرَ الروايةِ أوْ عَصْرَ التدْوِينِ للمَرْوِيَّاتِ قد انتهى منذُ زمنٍ بعيد في القرون الأولى؛ ثم بقي منه نزر يسيرٌ إلى القرنِ السادس الهجري فيما صنعه ابنُ عساكر صاحب تاريخ دمشق؛ وفي القرن السابع فيما صنع أبو عبد الله بن النجار؛ رحم الله الجميع، فعندهما من ألْفَاظِ روايات الحديث ما ليس في أمات كتب الرواية؛ وإن كان نزرا يسيرا كما صرح به بعض أهل العلم رحمهم الله؛ مع أن ما انفردا به يغلبُ عليه الضعف؛ إن لم يكن جميعُهُ كذلك.

ومع هذا؛ فالأئمة رحمهم الله لم يزالوا على ما عُهِدَ عن سلف هذه الأمة رحمهم الله من العنايةِ بالروايةِ؛ وطلبِ الإجازةِ مشافهةً ومكاتبةً من علماء الأمصار؛ والإكثارِ عن الشيوخ؛ حتى بعد مُضيِّ زمن الرواية؛ بلْ وإلى زَمانِنَا هذا، فكيف يكون إجماعُهُم على هذا؛ مع ما بذلوه فيه من الجهد وأنفقوه من الأعمار وصنفوا فيه من التصانيف كالفهارسِ والأثْباتِ ومعاجم الشيوخ وغيرها؛ لا يقدم ولا يؤخر؛ وإنما هو للبركة فحسب؟!.

وقد مَنَّ الله تعالى على الفقير إليه سبحانه بِتَتَبُّعِ ما عنَّ له من فوائدها؛ وتقييد ما سنحَ من عوائدِها؛ مُعَنْوِنًا مُحتواها ب (الوِجازة في محاسن الإجازة) ؛ فتحصَّل له منها جملةٌ صالحةٌ مُباركةٌ ولله الحمد؛ فإن أصاب ففضلُ الله وحده؛ وإلا فلأهل العلم أيدهم الله أن يُصَوِّبوا من عَمَلِهِ ما يُكمِّله؛ والله الموفق سبحانه.

فصْلٌ في تَقْسِيمِ المَحاسِنِ وَالمَنافِعِ

والذي أقوله في الجملة أولا: إن المحاسنَ والمنافعَ لما كانتْ حِسِّيَّةً ومعنويةً جرتْ العادةُ بالتعلُّقِ بالحسِّيِّ منها أكثرَ من المعنوي؛ لأنَّ الأوَّل أسهل تناوُلًا؛ وأيسرُ من حيثُ تعلقِ النفسِ بنفعٍ ظاهرٍ لا يكون في تحصيلِهِ كبيرُ مشقة؛ بخلاف الثانِي فإنه يحتاج إلى مزيدٍ من الجهد يُبْذلُ في تحصيله؛ من لَفتِ الأنظار إليه؛ والحثِّ على مُجاهدة النفسِ لِجَني ثمرته؛ مع افتقاره إلى دقَّةٍ في النظر؛ وحصافةٍ في الفكر؛ وفهم يمنُّ الله به على من يشاءُ من عباده؛ وليس ذلك ميسورًا لكل أحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت