أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا، إلى غير ذلك من الآيات التي دلت على كفر النوع لا العين، ليس فيها الكلام على المعيّن، هذه الآيات التي فيها الإشارة إلى كفر النوع نقول: لو أن رجلًا جاء فأتى بما يناقض صريح هذه الآية على الجملة فقال: ومن لم يحكم بما أنزل الله فلا فرق بينه وبين من حكم بما أنزل الله، هكذا على الجملة، وقال: ومن يتولهم منكم فلا فرق بينه وبين من عاداهم وأبغضهم والكل عندي سواء وسيان، دون أن ينظر إلى تفصيل شيء من ذلك، أو دون تعليق الأمر بالنظر إلى معين. نقول من جاء بمثل هذا القول فقد أتى بما يناقض صريح القرآن الكريم وصريح هذه الآيات المحكمات، وتنزيل هذه القاعدة عليه حين ذلك لا إشكال فيه.
لكن أين يقع الإشكال والخلاف؟ في تنزيل هذه الأحكام العامة التي جاء بها الكتاب والسنة على معيّن ما، تنزيل هذه العمومات على ذلك المعين، هل هو من المسائل الاجتهادية التي يحتاج المرء فيها إلى أن يجتهد في تنزيل هذا العموم على ذلك المعيّن فينظر كما قال أئمتنا -رحمهم الله تبارك وتعالى- ويُعمل القواعد التي وضعوها، هل هذه المسألة التي تكلم فيها حاصل لهم العلم أم لم يحصل؟ هل هو حديث عهد بإسلام أم لا، هل هي من المسائل الجلية أم من المسائل الخفية؟ وقلت أن الخفاء والجلاء قد يختلف من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان، هل وُجد ما يمنع من حصول العلم؟ وإن كان أصله وأسبابه موجودة لكن قد يمتنع حصوله كما ذكرت، هل تحققت الشروط التي ذكرها الأئمة وانتفت الموانع التي متى انتفت وتحققت تلك الشروط أمكن تنزيل ذلك العموم أم لا؟
هذه المسائل مسائل اجتهادية، والمرء غايته أن يكون بعد أن يُعمل هذه القواعد -هذا إن كان أهلًا لذلك- أن يكون مجتهدًا، إما أن يخطئ وإما أن يصيب، ما لم يأتِ نص في كتاب الله -تبارك وتعالى- على كفر ذلك المعين في كتاب وسنة، فغاية من أتى بتلك العمومات فأنزلها على هذا المعين أن يكون مجتهدًا يحتمل فعله الصواب والخطأ، فكيف يجوز له بعد ذلك أن يأتي إلى هذا الذي اجتهد فيه وحكم فيه بحكم ما، وربما يكون قد أخطأ فيه، كيف يبني على ذلك القول بكفر المخالف؟!
وقد قرر أئمتنا -رحمهم الله تبارك وتعالى- أن المسائل الاجتهادية لا إلزام فيها، بمعنى أنه لا يجوز لمجتهد أن يُلزم مجتهدًا آخر باجتهاده، ما دامت من مسائل الاجتهاد.
هذه القواعد يا عباد الله ومثلها كثير ينبغي أن ينظر إليها الناظر حين يتكلم في مثل هذه المسائل.