إن إنزال هذا الحكم على هذه العمليات خطأ فاحش، لأنه ليس فقط هذه العمليات التي تقوم على النار، بل أن جل الأسلحة الحديثة اليوم لا تخلو من النار، وإذا قلت كلها لم أكن كاذبًا في ذلك، فهذا الأمر يقتضي إيقاف الجهاد بالكلية، أو الجهاد بالسيوف والحراب! وكلا الأمرين سقيم لا يصح بحال.
عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير وقطع. وهي البويرة، فأنزل الله عز وجل فيه: (ما قطعتم من لينةٍ أو تركتموها قائمةً على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين) [الحشر: 5] . وللبخاري رحمه الله من رواية جويرية بن أسماء عن نافع عن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير، ولها يقول حسان رضي الله عنه:
وهان على سراة بني لؤي *** حريقٌ بالبويرةِ مستطيرُ
فأجابه أبو سفيان بن الحارث بقوله:
أدام الله ذلك من صنيع *** وحرق في نواحيها السعيرُ
[انظر تفسير العماد ابن كثير 4/ 394] .
ولا يمنع أن يكون في النخل رجال احترقوا فيه، والله أعلم.
قال الحافظ ابن حجر:"ويدل على جواز التحريق فعل الصحابة، وقد سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين العرنيين بالحديد المحمى، وقد حرق أبو بكر البغاة بالنار بحضرة الصحابة، وحرق خالد بن الوليد بالنار أناسًا من أهل الردة، وأكثر علماء المدينة يجيزون تحريق الحصون والمراكب على أهلها قاله الثوري والأوزاعي".اهـ [فتح الباري تحت حديث 3016] .
وقال الإمام ابن النحاس:"ويجوز نصب المنجنيق على الكفار، ورميهم بالحجارة والنار، وإرسال الماء عليهم، ولو كان فيهم مسلمون أسرى، لأن هذا من ضرورات القتال".اهـ [تهذيب مشارع الأشواق لصلاح الخالدي ص370 وانظر مغني المحتاج 4/ 223] .