عندما ننظر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه البخاري وغيره: (ثم لا تجدوني بخيلًا ولا كذوبًا ولا جبانًا) . وننظر إلى سيرته الزكية الطاهرة، نرى تاريخًا حافلًا بالغزوات، ليس فيه تخذيل ولا تنفير عن الجهاد وأهله، بل كله تحريض باللسان، وتصديقٌ بالأركان، وقد قال أنس رضي الله عنه: (كان النبي صلى الله عليه وسلم أشجع الناس) . [رواه البخاري] .
فنعلم من ذلك أن الجبن ليس في العمليات الجهادية وإنما الجبن في القعود عن الجهاد، قال ابن القيم:"مهر المحبة بذل النفس والمال لمالكها الذي اشتراهما من المؤمنين، فما للجبان المعرض المفلس وسوم هذه السلعة؟!".اهـ [زاد المعاد 3/ 63] . والجبن في التخذيل عن الجهاد والتثبيط، قال الشاعر الجاهلي عنترة:
وإذا الجبانُ نهاك يوم كريهةٍ ... خوفًا عليك من ازدحام الجحفلِ ...
فاعصِ مقالتهُ ولا تحفل بها ... واقدم إذا حقَ اللقا في الأولِ ...
واختر لنفسك منزلًا تعلو بهِ ... أو مت كريمًا تحت ظل القسطلِ
[شرح ديوان عنترة للخطيب التبريزي ص134] .
فالجبان يا عباد الله ليس الذي حمل روحه على كفه، ولسان حاله يقول:
سأحمل روحي على راحتي ... وألقي بها في مهاوي الردى ...
فإما حياة تسر الصديق ... وإما ممات يغيض العدى
وإنما الجبان الذي رضي بالقعود وثبط عن الخروج، قال تعالى: (ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدةً ولكن كره اللهُ انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين) [التوبة: 46] ، وقد قال الأول:
ورموهم بغيًا بما الرامي به ... أولى ليدفع عنه فعل الجاني ...
يرمي البريء بما جناه مباهتًا ... ولذاك عند الغر يشتبهانِ
وكما قيل:"رمتني بدائها وانسلت!".
شبهٌ تهافت كالزجاج تخالُها ... حقًا وكلٌ كاسرٌ مكسورُ