قلتُ: الذي عليه أكثرُ أهلِ العلمِ أَنَّهُ بطريقِ الرُّخْصَةِ، واحتجُّوا بقولهِ تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] ، وبما روى أبو سعيدٍ الخدريُّ - رضيَ اللهُ تعالى عنه - قال: كنا نسافرُ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فمنّا الصائِمُ، ومِنَّا المُفْطِرُ، فلا يَعيبُ الصائِمُ على المُفْطِرِ، ولا المفطرُ على الصائِمِ.
ورويَ عنِ ابنِ عباسٍ وأبي هُريرةَ وعُروةَ بن الزُّبيرِ وعلي بنِ الحُسَينِ - رضيَ اللهُ تَعالى عنهم - أنهم قالوا: لا يجوزُ الصومُ في السَّفَرِ، ومنْ صامَ فعليهِ القضاءُ، وجعلوهُ كالعاصي بصومِه، وبه قال داودُ وأهلُ الظَّاهِرِ.
ولهم من الحجَّةِ: ظاهِرُ الآيةِ، وقولُه - صلى الله عليه وسلم -:"ليسَ مِنَ البرِّ الصِّيامُ في السَّفَرِ". وما روى جابرُ بنُ عبدِ اللهِ - رضيَ اللهُ عنهُ -: أَنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - خرجَ إلى مكَّةَ عامَ الفتحِ في رَمَضانَ، فصامَ حتى بلغِ كُراعَ الغَميمِ، فصامَ الناسُ، فقيلَ له: يا رسولَ الله! إنَّ الناسَ قَدْ شقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيامُ، فدَعا بقَدَحٍ من ماءٍ بعدَ العَصْرِ، فشربَ، والناسُ ينظرون، فأفطرَ بعضُ الناس، وصامَ بعضُهم، فبلغه أنَّ ناساً صاموا، فقال:"أولئكَ العُصاةُ"، وما روى ابنُ عباسٍ - رضيَ اللهُ عنهما -: أَنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - خرجَ عامَ الفتح في رَمضانَ، فصامَ حتى بلغَ الكَديدَ، ثم أفطر فأفطر الناسُ
معه. وإنَّما كانوا يأخذون بالأحْدَثِ مِن أَمْرِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وما روي: أنَّ عمرَ - رضيَ اللهُ عنه - أمرَ رَجُلاً صامَ في السفرِ أن يقضيَ الصِّيامَ.
فإن قلتم: فما اختيارُك؟
قلت: ما عليه الأكثرُ من أهل العلم.
فإنْ قلتُم: فما الجوابُ عنْ هذه الأدلَّةِ القويَّةِ؟
قلت: أما الآيةُ، فإنها تحتمل الأمرين، فقوله: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] يحتملُ أن يكونَ للعزيمةِ، ويحتملُ أن يكونَ للرُّخْصَةِ، ودلَّ على أنه للرُّخْصَةِ تخييره لذوي الطاقة في الإفطار والصوم؛ فإن ذلك لمّا كانَ في آيةٍ واحدةٍ، دلَّنا على التَّخْييرِ والرُّخْصَةِ.