من أهل العلمِ - واللهُ أعلم - على أن آية الوصية نزلت قبل آية المواريث، وثبت أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال"إنَّ اللهَ قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، فلا وَصِيَّةَ لوارثٍ"، فالسنَّةُ مبيِّنَةٌ أن آيةَ المواريث ناسخة لآية الوصية، لا أن السنَّةَ هي الناسخة لها.
* وأما المنسوخُ منها؛ فذهبَ طاوس، وقليلٌ من أهلِ العلمِ إلى أنها منسوخة في حَقِّ الأقارب الذين يرثون، وبقي وجوبُها في الأقارب الذين لا يرثون؛ كالأبوين الكافرين، والعبدين.
ويحكى هذا القولُ عن الحسنِ وقَتادةَ والضَّحّاك وابنِ راهويه، ويروى عن ابنِ عباسٍ رضيَ الله عنهما.
قال طاوس: إن الوصية كانتْ قبلَ الميراثِ، فلما نزل الميراثُ، نُسِخَ من يرثُ، وبقيتِ الوصيةُ لمن لا يرثُ، فهي ثابتة، فمن أوصى لغير ذي قرابة، لم تجز وصيته.
وقال الحَسَنُ: إذا أوصى الرجلُ لغير ذي قرابة بثلثه، فلهم ثلثُ الثلث، والباقي لقرابته.
وقال أكثرُ أهلِ العلمِ: نُسخ وجوبُ الوصيةِ في جميع الأقربين، ثم مُنِعَ من الوصيةِ للوارِثين، واستُحِبَّتْ لغيرِ الوارِثين، وهو قولُ ابنِ عمرَ ومجُاهدٍ والشعبيِّ والنَّخَعِيِّ والسُّدِّيِّ ومالكٍ والشافعيِّ.
وفي البخاري عن ابن عباسٍ - رضيَ اللهُ عنهما - قال: كانَ المالُ للولدِ، وكانت الوصيةُ للوالدينِ، فنسخَ اللهُ من ذلكَ ما أحبَّ، فجعلَ للذَّكَرِ مثلَ حَظِّ الأُنْثَيين، وجعل للأبوينِ لكلِّ واحدٍ منهما السُّدُسُ، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع.
فإن قال قائل: فالآية محتملة لما قالَ طاوس، فهل تجدُ دليلاً على موافقته أو مخالفته، وأنَّ الأقربينَ غيرُ الوارثينَ لا تجبُ لهمُ الوصيةُ؟
قلت: الدلالة على خلافِ قولهِ مِن وَجْهين:
أحدهما: ما رواه عِمرانُ بنُ الحُصَيْنِ - رضيَ الله عنه -: أنَّ رجلاً أعتقَ ستةَ عبيدٍ في مرضِهِ عندَ موته، لا مالَ له غيرُهم، فأقرعَ رسولُ اللهِ بينهم، فأعتق اثنين، وأرَقَّ أربعة.
ومعلومٌ أنَّ العبيدَ ليسوا بذي قَرابةٍ؛ لأن المعتِقَ عربيٌّ، وإنما يملكُ مَنْ لا قرابةَ بينَهُ وبينَهُ من العَجَمِ، والعتقُ: وصيةٌ للعبيدِ بالعتقِ، أو كالوَصِيَّةَ.