وقد أورد بعض الفضلاء سؤالا على قوله: {وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 284] .
وهو أن (قديرا) من صيغ المبالغة، فيستلزم الزيادة على معنى (قادر) والزيادة على معنى (قادر) محال، إذ الإيجاد من واحد لا يمكن فيه التفاضل باعتبار كلّ فرد فرد.
وأجيب: بأنّ المبالغة لمّا تعذّر حملها على كلّ فرد وجب صرفها إلى مجموع الأفراد الّتي دلّ السّياق عليها، فهي بالنسبة إلى كثرة المتعلّق لا الوصف.
{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) }
القاعدة أن المنكر يجب أن يلي الهمزة، وأشكل عليها قوله تعالى: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ} [الإسراء: 40] فإنّ الذي يليها هنا الإصفاء بالبنين وليس هو المنكر، إنما المنكر قولهم: إنّه اتّخذ من الملائكة إناثا.
وأجيب: بأنّ لفظ الإصفاء مشعر بزعم أنّ البنات لغيرهم، أو بأنّ المراد مجموع الجملتين. وينحلّ منهما كلام واحد، والتقدير: أجمع بين الإصفاء بالبنين واتخاذ البنات؟.
وأشكل منه قوله: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ}
ووجه الإشكال: أنّه لا جائز أن يكون المنكر أمر الناس بالبرّ فقط، كما تقتضيه القاعدة المذكورة، لأن أمر البرّ ليس ممّا ينكر. ولا نسيان النفس فقط لأنه يصير ذكر أمر لناس بالبرّ لا مدخل له.
ولا مجموع الأمرين لأنه يلزم أن تكون العبادة جزء المنكر. ولا نسيان النفس بشرط الأمر لأنّ النسيان منكر مطلقا، ولا يكون نسيان النفس حال الأمر أشد منه حال عدم الأمر لأنّ المعصية لا تزداد بشاعتها بانضمامها إلى الطاعة لأنّ جمهور العلماء على أنّ الأمر بالبرّ واجب، وإن كان الإنسان ناسيا لنفسه. وأمره لغيره بالبر كيف يضاعف بمعصية نسيان ولا يأتي الخير بالشر؟.