قوله تعالى: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا} وفي الأعراف: {فَكُلَا} [الآية: 19] بالفاء، قيل: لأنّ السكنى في البقرة الإقامة، وفي الأعراف اتخاذ المسكن، فلمّا نسب القول إليه تعالى: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ} ناسب زيادة الإكرام بالواو الدالة على الجمع بين السكنى والأكل، ولذا قال فيه: {رَغَداً} وقال: {حَيْثُ شِئْتُمَا} لأنّه أعمّ.
وفي الأعراف: {وَيَا آدَمُ} فأتى بالفاء الدالّة على ترتيب الأكل على السّكنى المأمور باتخاذها لأنّ الأكل بعد الاتخاذ، و {مِنْ حَيْثُ} لا تعطي عموم معنى: {حَيْثُ شِئْتُمَا} .
{فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) }
وقد يؤكّد لقصد الترغيب، نحو: {فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} أكّد بأربع تأكيدات ترغيبا للعباد في التوبة.
(فائدة)
ذكر البرهان الرشيديّ: أنّ صفات الله التي على صيغة المبالغة كلّها مجاز، لأنها موضوعة للمبالغة ولا مبالغة فيها لأنّ المبالغة أن تثبت أكثر ممّا له، وصفاته تعالى متناهية في الكمال لا يمكن المبالغة فيها.
وأيضا: فالمبالغة تكون في صفات تقبل الزيادة والنقصان، وصفات الله منزّهة عن ذلك. واستحسنه الشيخ تقيّ الدين السّبكيّ.
وقال الزّركشي في «البرهان» : التحقيق أن صيغ المبالغة قسمان:
أحدهما: ما تحصل المبالغة فيه بحسب زيادة الفعل.
والثاني: بحسب تعدّد المفعولات، ولا شك أن تعدّدها لا يوجب للفعل زيادة، إذ الفعل الواحد قد يقع على جماعة متعدّدين، وعلى هذا القسم تنزّل صفاته تعالى ويرتفع الإشكال ولهذا قال بعضهم في (حكيم) : معنى المبالغة فيه تكرار حكمه بالنسبة إلى الشرائع.
وقال في «الكشاف» : المبالغة في (التّوّاب) للدلالة على كثرة من يتوب عليه من عباده، أو لأنه بليغ في قبول التوبة: نزّل صاحبها منزلة من لم يذنب قطّ، لسعة كرمه.