{ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) }
قال المَاوَرْدِيّ: اختلف في بقاء تكليف من أعيد بعد موته، ومُعَاينة الأحوال المضطرة إلى المعرفة على قولين:
أحدهما: بقاء تكليفهم لئلا يَخْلُو عاقل من تعبد.
الثاني: سقوط تكليفهم معتبراً بالاستدلال دون الاضطرار.
والأول أَصَحّ، لقوله تعالى {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ، ولفظ: الشكر يتناول جميع الطاعات، لقوله تعالى: {اعملوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً} [سبأ: 13] .
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف يجوز أن يكلفهم وقد أماتهم، ولو جاز ذلك جاز تكليف أهل الآخرة بعد البعث؟
فالجواب: أنّ الذي منع من تكليف أهْل الآخرة ليس هو الإماتة ثم الإحْياء، وإنما المانع كونه اضطرهم يوم القِيَامةَةِ إلى معرفته لَذَات الجَنّة، وآلام النَّار، وبعد العلم الضروري لا تكليف، وإذا كان كذلك، فيكون مَوْتُ هؤلاء بمنزلة النَّومَ والإغماء.
{وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) }
«فَإِنْ قِيلَ» : المعهود تقديم الأهم فالأهم والمأكول مقدّم على الفاكهة والحلوى؛ لأن به قيام البِنْيَةِ، فالإنسان أول ما يأكل الغذاء، ثم بعد الشِّبع يتحلّى ويأكل الفاكهة وهاهنا قدم المَنّ وهو الحلوى على الغذاء وهو السلوى فما فائدته؟
فالجواب: أن نزول الحَلْوَى من السماء أمر مخالف للعادة، فقدم لاستطعامه بخلاف الطيور المأكولة، فإنها ليست مخالفةً للعادة، فإنها مألوفةٌ الأكل.
«فَإِنْ قِيلَ» : قوله: (وَمَا ظَلَمُونَا) جملة خبرية، فكيف عطفت على قوله: «كلوا» ، وهي جملة أمرية؟
فالجَوابُ من وجهين:
الأول: أن هذه جملة مستأنفة لا تعلُّق لها بما قبلها.
والثاني: أَنَّهَا معطوفة على الجملة القولية المحذوفة أي: وقيل لهم: كلوا من طيبات ما رزقناكم، وما ظلمونا، فيكون قد عطف جملة خبرية على خَبَرِيّة.