قلت ذهب بعضهم إلى أنهم غير معصومين واستدل على ذلك بوجوه منها قوله أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ومن ذهب إلى عصمتهم أجاب عنه بأن هذا السؤال إنما وقع على سبيل التعجب لا على سبيل الإنكار والاعتراض فإنهم تعجبوا من كمال حكم الله تعالى وإحاطة علمه بما خفي عليهم، ولهذا أجابهم بقوله (إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ) .
وقيل: إن العبد المخلص في حب سيده يكره أن يكون له عبد آخر يعصيه فكان سؤالهم على وجه المبالغة في إعظام الله عز وجل
«فإنْ قلتَ» : هل يجوز وصف الأنبياء بالظلم أو بظلم أنفسهم؟
قلت: لا يجوز أن يطلق عليهم ذلك لما فيه من الذم.
(يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ(40)
وإنما عبر عنه بالذكر لأن من ذكر النعمة فقد شكرها ومن جحدها فقد كفرها.
وقيل الذكر يكون بالقلب ويكون باللسان.
ووحد النعمة لأنها المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير ومعناه أن المضرة المحضة لا تكون نعمة ولو فعل الإنسان منفعة وقصد نفسه بها لا تسمى نعمة إذا لم يقصد بها الغير.
ثم إن النعم ثلاثة:
نعمة تفرد بها الله تعالى وهي إيجاد الإنسان ورزقه، ونعمة وصلت إلى الإنسان بواسطة الغير لكن الله مكنه من ذلك، فالمنعم بها في الحقيقة هو الله تعالى.
ونعمة حصلت للإنسان بسبب الطاعة وهي أيضا من الله تعالى، فالله هو المنعم المطلق في الحقيقة لأن أصول النعم كلها منه.
وأما النعم المختصة ببني إسرائيل فكثيرة لأن قوله (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ) لفظها واحد ومعناها الجمع، فمن النعم أن الله تعالى أنقذهم من فرعون، وفلق البحر لهم، وأغرق فرعون، وتظليلهم بالغمام، وإنزال المن والسلوى في التيه عليهم، وإنزال التوراة، ونعم غير هذه كثيرة.