قوله عز وجل: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ)
أي قصد وأقبل على خلقها وقيل عمد، وقال ابن عباس: ارتفع وفي رواية عنه صعد. قال الأزهري معناه صعد أمره وكذا ذكره صاحب المحكم وذلك أن الله تعالى خلق الأرض أولا ثم عمد إلى خلق السماء.
«فإنْ قلتَ» : كيف الجمع بين هذا وقوله تعالى: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها)
قلت: الدحو البسط فيحتمل أن الله تعالى خلق جرم الأرض ولم يبسطها ثم خلق السماء وبسط جرم الأرض بعد ذلك،
«فإنْ قلتَ» : هذا مشكل أيضا لأن قوله تعالى (خلق لكم ما في الأرض جميعا) يقتضي أن ذلك لا يكون إلّا بعد الدحو؟
قلت: يحتمل أنه ليس هنا ترتيب وإنما هو على سبيل تعداد النعم كقوله الرجل لمن يذكره ما أنعم به عليه: ألم أعطك؟ ألم أرفع قدرك؟ ألم أدفع عنك؟
ولعل بعض هذه النعم متقدمة على بعض والله أعلم.
(قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ(30)
«فإنْ قلتَ» : من أين عرفوا ذلك حتى قالوا هذا القول؟
قلت: يحتمل أن يكونوا عرفوا ذلك بإخبار الله إياهم أو قاسوا الشاهد على الغائب، وقيل إنهم لما رأوا أن آدم خلق من أخلاط مركبة علموا أنه يكون فيه الحقد والغضب ومنهما يتولد الفساد وسفك الدماء فلهذا قالوا ذلك.
وقيل لما خلق الله تعالى النار خافت الملائكة، وقالوا لمن خلقت هذه النار؟ قال لمن عصاني فلما قال إني جاعل في الأرض خليفة قالوا هو ذلك.
«فإنْ قلتَ» : الملائكة معصومون فكيف وقع منهم هذا الاعتراض؟