وإسناد الذهاب إلى الله تعالى إما لأن الكل بفعله، أو لأن الإطفاء حصل بسبب خفي، أو أمر سماوي كريح أو مطر، أو للمبالغة ولذلك عدى الفعل بالباء دون الهمزة لما فيها من معنى الاستصحاب والاستمساك، يقال: ذهب السلطان بماله إذا أخذه، وما أخذه الله وأمسكه فلا مرسل له، ولذلك عدل عن الضوء الذي هو مقتضى اللفظ إلى النور، فإنه لو قيل: ذهب الله بضوئهم احتمل ذهابه بما في الضوء من الزيادة وبقاء ما يسمى نورًا، والغرض إزالة النور عنهم رأسًا ألا ترى كيف قرر ذلك وأكده بقوله (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لَّا يُبْصِرُونَ) فذكر الظلمة التي هي عدم النور، وانطماسه بالكلية، وجمعها ونكرها ووصفها بأنها ظلمة خالصة لا يتراءى فيها شبحان.
(صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ(18)
لا يعودون إلى الهدى الذي باعوه وضيعوه.
أو عن الضلالة التي اشتروها، أو فهم متحيرون لا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون، وإلى حيث ابتدءوا منه كيف يرجعون.
والفاء للدلالة على أن اتصافهم بالأحكام السابقة سبب لتحيرهم واحتباسهم.
(أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ(19)
و (أَوْ) في الأصل للتساوي في الشك، ثم اتسع فيها فأطلقت للتساوي من غير شك
مثل: جالس الحسن أو ابن سيرين، وقوله تعالى: (وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) .
فإنها تفيد التساوي في حسن المجالسة ووجوب العصيان ومن ذلك قوله: أَوْ كَصَيِّبٍ ومعناه أن قصة المنافقين مشبهة بهاتين القصتين، وأنهما سواء في صحة التشبيه بهما، وأنت مخير في التمثيل بهما أو بأيهما شئت.
(والصيب: فيعل من الصوب، وهو النزول، يقال للمطر وللسحاب.
وفي الآية يحتملهما، وتنكيره لأنه أريد به نوع من المطر شديد.