وتعريف السماء للدلالة على أن الغمام مطبق آخذ بآفاق السماء كلها فإن كل أفق منها يسمى سماء كما أن كل طبقة منها سماء.
(فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ) إن أريد بالصيب المطر، فظلماته ظلمة تكاثفه بتتابع القطر، وظلمة غمامه مع ظلمة الليل وجعله مكانًا للرعد والبرق لأنهما في أعلاه ومنحدره ملتبسين به.
وإن أريد به السحاب، فظلماته سحمته وتطبيقه مع ظلمة الليل.
(يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(20)
وإنما قال مع الإضاءة (كُلَّما) ومع الإظلام (إِذا) لأنهم حراص على المشي، فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها ولا كذلك التوقف.
(يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(21)
وإنما قال: (رَبَّكُمُ) تنبيهًا على أن الموجب للعبادة هي الربوبية.
(لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) حال من الضمير في اعْبُدُوا كأنه قال: اعبدوا ربكم راجين أن تنخرطوا في سلك المتقين الفائزين بالهدى والفلاح، المستوجبين جوار الله تعالى.
نبه به على أن التقوى منتهى درجات السالكين وهو التبري من كل شيء سوى الله تعالى إلى الله، وأن العابد ينبغي أن لا يغتر بعبادته، ويكون ذا خوف ورجاء قال تعالى: (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا) (يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ) .
أو من مفعول (خَلَقَكُمْ) والمعطوف عليه على معنى أنه خلقكم ومن قبلكم في صورة من يرجى منه التقوى لترجح أمره باجتماع أسبابه، وكثرة الدواعي إليه.
وغلب المخاطبين على الغائبين في اللفظ، والمعنى على إرادتهم جميعًا.
وقيل تعليل للخلق أي خلقكم لكي تتقوا كما قال: (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) .