وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ مَا اتَّقَى بِهِ الْمُسَافِرُ مِنَ الْهَلَكَةِ أَوِ الْحَاجَةِ إِلَى السُّؤَالِ وَالتَّكَفُّفِ.
وَقِيلَ: فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لَيْسَتْ بِدَارِ قَرَارٍ.
قَالَ أَهْلُ الْإِشَارَاتِ: ذَكَّرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى سَفَرَ الْآخِرَةِ وَحَثَّهُمْ عَلَى تَزَوُّدِ التَّقْوَى، فَإِنَّ التَّقْوَى زَادُ الْآخِرَةِ.
قَالَ الْأَعْشَى:
إِذْ أَنْتَ لَمْ تَرْحَلْ بِزَادٍ مِنَ التُّقَى ... وَلَاقَيْتَ بَعْدَ الْمَوْتِ مَنْ قَدْ تَزَوَّدَا
نَدِمْتَ عَلَى أَلَّا تَكُونَ كَمِثْلِهِ ... وَأَنَّكَ لَمْ تَرْصُدْ كَمَا كَانَ أَرْصَدَا
وَقَالَ آخَرُ:
الْمَوْتُ بَحْرٌ طافح موجه ... تذهب فيه حيلة السابح
يَا نَفْسُ إِنِّي قَائِلٌ فَاسْمَعِي ... مَقَالَةً مِنْ مُشْفِقٍ نَاصِحِ
لَا يَصْحَبُ الْإِنْسَانَ فِي قَبْرِهِ ... غَيْرَ التُّقَى وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبابِ)
خَصَّ أُولِي الْأَلْبَابِ بِالْخِطَابِ - وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ يَعُمُّ الْكُلَّ - لِأَنَّهُمُ الَّذِينَ قَامَتْ عَلَيْهِمْ حُجَّةُ اللَّهِ، وَهُمْ قَابِلُو أَوَامِرِهِ وَالنَّاهِضُونَ بِهَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ)
كَرَّرَ الْأَمْرَ تَأْكِيدًا، كَمَا تَقُولُ: ارْمِ. ارْمِ.
وَقِيلَ: الْأَوَّلُ أَمْرٌ بِالذِّكْرِ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ.
وَالثَّانِي أَمْرٌ بِالذِّكْرِ عَلَى حُكْمِ الْإِخْلَاصِ.
وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالثَّانِي تَعْدِيدُ النِّعْمَةِ وَأَمْرٌ بِشُكْرِهَا.
ثم ذكرهم بحال ضلالهم ليظهر قَدْرَ الْإِنْعَامِ فَقَالَ: (وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ) وَالْكَافُ فِي (كَمَا) نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وَ (مَا) مَصْدَرِيَّةٌ أَوْ كَافَّةٌ.
وَالْمَعْنَى: اذْكُرُوهُ ذِكْرًا حَسَنًا كَمَا هَدَاكُمْ هِدَايَةً حَسَنَةً، وَاذْكُرُوهُ كَمَا عَلَّمَكُمْ كَيْفَ تَذْكُرُونَهُ لَا تَعْدِلُوا عَنْهُ.
وَ (إِنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، يَدُلُّ على ذلك دخول اللام في الخبر، قال سِيبَوَيْهِ.
الْفَرَّاءُ: نَافِيَةٌ بِمَعْنَى مَا، وَاللَّامُ بِمَعْنَى إِلَّا، كَمَا قَالَ: