وَأَبْطَلَ الزَّجَّاجُ هَذَا الْقَوْلَ وَقَالَ: هَذَا خَطَأٌ عِنْدَ الْحُذَّاقِ مِنَ النَّحْوِيِّينَ، وَفِيهِ بُطْلَانُ الْمَعَانِي، وَتَكُونُ (إِلَّا) وَمَا بَعْدَهَا مُسْتَغْنًى عَنْ ذِكْرِهِمَا.
وَالْقَوْلُ عِنْدَهُمْ أَنَّ هَذَا اسْتِثْنَاءٌ لَيْسَ مِنَ الْأَوَّلِ، أَيْ لَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: أَيْ عَرَّفَكُمُ اللَّهُ أمر الاحتجاج في القبلة في قوله: (ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها) و (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ بِاحْتِجَاجِهِ فِيمَا قَدْ وَضَحَ لَهُ، كَمَا تَقُولُ: مالك عَلَيَّ حُجَّةٌ إِلَّا الظُّلْمَ أَوْ إِلَّا أَنْ تظلمني، أي مالك حُجَّةٌ أَلْبَتَّةَ وَلَكِنَّكَ تَظْلِمُنِي، فَسَمَّى ظُلْمَهُ حُجَّةً لِأَنَّ الْمُحْتَجَّ بِهِ سَمَّاهُ حُجَّةً وَإِنْ كَانَتْ دَاحِضَةً.
وَقَالَ قُطْرُبُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا، فَالَّذِينَ بَدَلٌ مِنَ الْكَافِ وَالْمِيمِ فِي (عَلَيْكُمْ) .
وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: (إِلَّا الَّذِينَ) اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ، رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ، وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيُّ وَقَالَ: نَفَى اللَّهُ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدٍ حُجَّةٌ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ فِي اسْتِقْبَالِهِمْ الْكَعْبَةَ.
وَالْمَعْنَى: لَا حُجَّةَ لِأَحَدٍ عَلَيْكُمْ إِلَّا الْحُجَّةَ الدَّاحِضَةَ.
حَيْثُ قَالُوا: مَا وَلَّاهُمْ، وَتَحَيَّرَ مُحَمَّدٌ فِي دِينِهِ، وَمَا تَوَجَّهَ إِلَى قِبْلَتِنَا إِلَّا أَنَّا كُنَّا أَهْدَى مِنْهُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ الَّتِي لَمْ تَنْبَعِثْ إِلَّا مِنْ عَابِدِ وَثَنٍ أَوْ يَهُودِيٍّ أَوْ مُنَافِقٍ.
وَالْحُجَّةُ بِمَعْنَى الْمُحَاجَّةِ الَّتِي هِيَ الْمُخَاصَمَةُ وَالْمُجَادَلَةُ.
وَسَمَّاهَا اللَّهُ حُجَّةً وَحَكَمَ بِفَسَادِهَا حَيْثُ كَانَتْ مِنْ ظَلَمَةٍ.