وَهَكَذَا كُلُّ مَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ) ، (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ) وَمَا أَشْبَهَ.
وَالْآيَةُ جَوَابٌ لِقُرَيْشٍ فِي قَوْلِهِمْ: (مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها) وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَأْلَفُ الْكَعْبَةَ، فَأَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَمْتَحِنَهُمْ بِغَيْرِ مَا أَلِفُوهُ لِيَظْهَرَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ لَا يَتَّبِعُهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ)
يَعْنِي تَحْوِيلَ الْقِبْلَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ وَلَيْسَ مِنْ دِينِهِمْ وَلَا فِي كِتَابِهِمْ؟
قِيلَ عَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّهُمْ لَمَّا عَلِمُوا مِنْ كِتَابِهِمْ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيٌّ عَلِمُوا أَنَّهُ لَا يَقُولُ إِلَّا الْحَقَّ وَلَا يَأْمُرُ إِلَّا بِهِ.
الثَّانِي - أَنَّهُمْ عَلِمُوا مِنْ دِينِهِمْ جَوَازَ النَّسْخِ وَإِنْ جَحَدَهُ بَعْضُهُمْ، فَصَارُوا عَالِمِينَ بِجَوَازِ الْقِبْلَةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ)
الْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمُرَادُ أُمَّتُهُ مِمَّنْ يَجُوزُ أَنْ يَتَّبِعَ هَوَاهُ فَيَصِيرَ بِاتِّبَاعِهِ ظَالِمًا، وَلَيْسَ يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَكُونُ بِهِ ظَالِمًا، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى إِرَادَةِ أُمَّتِهِ لِعِصْمَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَطَعْنَا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ مِنْهُ، وَخُوطِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعْظِيمًا لِلْأَمْرِ وَلِأَنَّهُ الْمُنَزَّلُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ)