وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الَّذِينَ عَلِمُوا عُلَمَاءُ الْيَهُودِ، وَلَكِنْ قِيلَ: (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) أَيْ فَدَخَلُوا فِي مَحَلِّ مَنْ يُقَالُ لَهُ: لَسْتَ بِعَالِمٍ، لِأَنَّهُمْ تَرَكُوا الْعَمَلَ بِعِلْمِهِمْ وَاسْتَرْشَدُوا مِنَ الَّذِينَ عَمِلُوا بالسحر.
(مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(106)
مَعْرِفَةُ هَذَا الْبَابِ أَكِيدَةٌ وَفَائِدَتُهُ عَظِيمَةٌ، لَا يَسْتَغْنِي عَنْ مَعْرِفَتِهِ الْعُلَمَاءُ، وَلَا يُنْكِرُهُ إِلَّا الْجَهَلَةُ الْأَغْبِيَاءُ، لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ النَّوَازِلِ فِي الْأَحْكَامِ، وَمَعْرِفَةِ الْحَلَالِ مِنَ الْحَرَامِ.
رَوَى أَبُو الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: دَخَلَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَجُلٌ يُخَوِّفُ النَّاسَ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: رَجُلٌ يُذَكِّرُ النَّاسَ، فَقَالَ: لَيْسَ بِرَجُلٍ يُذَكِّرُ النَّاسَ! لَكِنَّهُ يَقُولُ أَنَا فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ فَاعْرِفُونِي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَتَعْرِفُ النَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخِ؟! فَقَالَ: لَا، قَالَ: فَاخْرُجْ مِنْ مَسْجِدِنَا وَلَا تُذَكِّرْ فِيهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَعَلِمْتَ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتَ!.
وَمِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
* الثَّالِثَةُ - النَّسْخُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - النَّقْلُ، كَنَقْلِ كِتَابٍ مِنْ آخَرَ.
وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْقُرْآنُ كُلُّهُ مَنْسُوخًا، أَعْنِي مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَإِنْزَالِهِ إِلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَهَذَا لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أَيْ نَأْمُرُ بِنَسْخِهِ وَإِثْبَاتِهِ.