قَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَى: (وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ) أَيِ ادْعُوا نَاسًا يَشْهَدُونَ لَكُمْ، أَيْ يَشْهَدُونَ أَنَّكُمْ عَارَضْتُمُوهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ(24)
«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ دَخَلَتْ"إِنْ"عَلَى"لَمْ"وَلَا يَدْخُلُ عَامِلٌ عَلَى عَامِلٍ؟
فَالْجَوَابُ أَنَّ"إن"ها هنا غَيْرُ عَامِلَةٍ فِي اللَّفْظِ فَدَخَلَتْ عَلَى"لَمْ"كَمَا تَدْخُلُ عَلَى الْمَاضِي، لِأَنَّهَا لَا تَعْمَلُ فِي"لَمْ"كَمَا لَا تَعْمَلُ فِي الْمَاضِي، فَمَعْنَى إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا إِنْ تَرَكْتُمُ الْفِعْلَ.
قوله تعالى"وَلَنْ تَفْعَلُوا"نصب بلن، وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَجْزِمُ بِهَا، ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَمِنْهُ بَيْتُ النَّابِغَةِ:
فَلَنْ أُعَرِّضْ أَبْيَتَ اللَّعْنَ بِالصَّفَدِ
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ حِينَ ذُهِبَ بِهِ إِلَى النَّارِ فِي مَنَامِهِ: فَقِيلَ لِي (لَنْ تُرَعْ) .
هَذَا عَلَى تِلْكَ اللُّغَةِ.
وَفِي قَوْلِهِ:"وَلَنْ تَفْعَلُوا"إِثَارَةٌ لِهِمَمِهِمْ، وَتَحْرِيكٌ لِنُفُوسِهِمْ، لِيَكُونَ عَجْزُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ أَبْدَعَ، وَهَذَا مِنَ الْغُيُوبِ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا الْقُرْآنُ قَبْلَ وُقُوعِهَا.
وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ:"وَلَنْ تَفْعَلُوا"تَوْقِيفًا لَهُمْ عَلَى أَنَّهُ الْحَقُّ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا صَادِقِينَ فِيمَا زَعَمُوا مِنْ أَنَّهُ كَذِبٌ، وَأَنَّهُ مُفْتَرًى وَأَنَّهُ سِحْرٌ وَأَنَّهُ شِعْرٌ، وَأَنَّهُ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، وَهُمْ يَدَّعُونَ الْعِلْمَ وَلَا يَأْتُونَ بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ.
وَقَوْلُهُ: (فَاتَّقُوا النَّارَ) جَوَابُ"فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا"أَيِ اتَّقُوا النَّارَ بِتَصْدِيقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ)
ظَاهِرُهُ أَنَّ غَيْرَ الْكَافِرِينَ لَا يَدْخُلُهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْوَعِيدِ لِلْمُذْنِبِينَ وَبِالْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ فِي الشَّفَاعَةِ، عَلَى مَا يَأْتِي.