قُلْتُ: بَلْ رَامِقٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: طُوبَى لِلزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا وَالرَّاغِبِينَ فِي الْآخِرَةِ، أُولَئِكَ قَوْمٌ اتَّخَذُوا الْأَرْضَ بِسَاطًا، وَتُرَابَهَا فِرَاشًا، وَمَاءَهَا طِيبًا، وَالْقُرْآنَ وَالدُّعَاءَ دِثَارًا وَشِعَارًا، فَرَفَضُوا الدُّنْيَا عَلَى مِنْهَاجِ الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ... وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ(22)
«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ وَصَفَهُمْ بِالْعِلْمِ وَقَدْ نَعَتَهُمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ مِنَ الْخَتْمِ وَالطَّبْعِ وَالصَّمَمِ وَالْعَمَى.
فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا"وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ"يُرِيدُ الْعِلْمَ الْخَاصَّ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ وَأَنْزَلَ الْمَاءَ وَأَنْبَتَ الرِّزْقَ، فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْمُنْعِمُ عَلَيْهِمْ دُونَ الْأَنْدَادِ.
الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ وَحْدَانِيَّتَهُ بِالْقُوَّةِ وَالْإِمْكَانِ لَوْ تَدَبَّرْتُمْ وَنَظَرْتُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى الْأَمْرِ بِاسْتِعْمَالِ حُجَجِ الْعُقُولِ وَإِبْطَالِ التَّقْلِيدِ.
وَقَالَ ابْنُ فَوْرَكٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ تَتَنَاوَلَ الْآيَةُ الْمُؤْمِنِينَ، فَالْمَعْنَى لَا تَرْتَدُّوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ وَتَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا بَعْدَ عِلْمِكُمُ الَّذِي هُوَ نفي الجهل بأن الله واحد.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ)
مَعْنَاهُ أَعْوَانَكُمْ وَنُصَرَاءَكُمْ.
الْفَرَّاءُ: آلِهَتَكُمْ.
وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ:
فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ ذَكَرَ الشُّهَدَاءَ هَاهُنَا، وَإِنَّمَا يَكُونُ الشُّهَدَاءُ لِيَشْهَدُوا أَمْرًا، أَوْ لِيُخْبِرُوا بِأَمْرٍ شَهِدُوهُ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُمْ:"فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ"؟
فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمَعْنَى اسْتَعِينُوا بِمَنْ وَجَدْتُمُوهُ مِنْ عُلَمَائِكُمْ، وَأَحْضِرُوهُمْ لِيُشَاهِدُوا مَا تَأْتُونَ بِهِ، فَيَكُونَ الرَّدُّ عَلَى الْجَمِيعِ أَوْكَدَ فِي الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ.
قُلْتُ: هَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ.