وإنما قال: أشهر، لشهرين وبعض الثالث؛ لأن الاثنين قد يوقع عليها لفظ الجمع، وذلك أن التثنية أولُ الجَمْع، الدليل عليه قوله تعالى: {أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} [النور: 26] . وإنما يريد عائشةَ وصَفْوان، وكذلك قوله: {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء: 78] ، يريد: داودَ وسليمانَ، وقال: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] .
وقال الشاعر:
ظَهْرَاهُمَا مِثلُ ظُهُورِ التُرسَيْن
وقال ابن الأنباري: العرب توقع الوقت الطويل على الوقت اليسير، فيقولون: قُتل ابن الزبير زمان الحجاج أمير، وإنما كان القتل في أقصر وقت، فجاز على هذا وقوع الأشهر على أقل منها، ويقولون: أتيتك يوم الخميس، وإنما أتاه في ساعة منه، فيسمي تلك الساعة يومًا.
وقال عروة بن الزبير: أراد بالأشهر شوالًا وذا القَعْدة وذا الحِجَّة كُمَّلًا؛ لأنه يبقى على الحاج أمور بعد عرفة يجب عليه فعلها، مثل: الرمي، والحلق، والنحر، والبيتوتة بمنى.
{فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203) }
«فإن قيل» : إنما يخاف الإثم المتعجل. فما بال المتأخر أُلحق به، والذي أتى أفضل؟
قيل: معناه: فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فهو مبرور مأجور. فقال: (فلا إثم عليه) وهو يريد هذا المعنى لتوافق اللفظةُ الأولى الثانيةَ، وتكون على مثلِ سبيلها، وقد ذكرنا أنه حُمِلَ على موافقة اللفظ بما لا يصلح في المعنى وهو قوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ} [الشورى: 40] ، وقوله: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} [البقرة: 194] ، فَلأَن يحمل على موافقة اللفظ بما يَصِحُّ في المعنى أولى؛ لأن المبرور المأجور يصح في المعنى نفيُ الإثم عنه.