«فإن قيل» : كان يمكنهم أن يعارضوه بما هو دونه في الفصاحة ثم يأتوا بقوم يشهدون لهم بالباطل أنه مثل القرآن.
قيل: إن الله سبحانه أعجز الخلق عن الإتيان بمثل القرآن، وصرفهم أيضًا عن الشهادة على ما هو باطل وفاسد بأنه مثل القرآن، ألا ترى أنه لم يوجد منهم هذا، ولو أمكنهم ذلك لفعلوا، ولا ترى للقرآن معارضة بوجه سواء كان فصيحاً أو ركيكاً، إلا شهد المخالف والموافق بركاكته.
وعلى هذا القول (شهيد) بمعنى: شاهد.
وإنما قال: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} وإن كان العصاة من المسلمين
يدخلونها، لأن الكافرين يخلدون فيها دون المؤمنين، وكأن النار ليست للمؤمنين لقلة كونهم فيها إذا قيس بالخلود.
وإنما لم يقل: (أعدت لكم) وإن كان المخاطبون كفارا، لأنه علم أن فيهم من يؤمن.
{إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}
«فإن قيل» : إذا كانت البعوضة هي النهاية في الصغر، فلا معنى في (فما فوقها) في الصغر، قيل: ليس الأمر على ما قلتم، لأن ما دون البعوضة في الصغر متوهم معقول، وإن لم ير، كما قال: {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65) } [الصافات: 65] [الصافات: 65] فالمشبه به معقول وإن لم ير، وكما قال الشاعر:
وَمَسْنُونةٌ زُرْقٌ كَأنْيَابِ أغْوَالِ
ولم ير ناب الغول. ويؤكد هذا التأويل قول أبي عبيدة في هذه الآية وهو أنه قال: (فما فوقها) يعني: فما دونها. و (فوق) من الأضداد، لأنه لا فوق إلا ويصلح أن يكون دون، لأن من فوقك يصلح أن يكون دون غيرك، فذلك فوق من وجه ودون من وجه. وإذا كان (فوق) بمعنى (دون) كان المعنى (فما دونها) أي: ما هو أصغر منها.
وقد استشهد على استحسان ضرب المثل بالحقير [في] كلام العرب بقول الفرزدق:
ضَرَبَتْ عَلَيْكَ العَنْكَبوُتُ بِنَسْجِهَا ... وَقَضَى عَلَيْكَ بِهِ الكِتَابُ المُنْزَلُ
وبقوله أيضاً: