(إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ...(26)
قال الربيع:"هو مثل ضربه الله للدنيا، وذلك أن البعوضة تَحْيَا ما جاعت، فإذا شبعت ماتت، فكذلك الكافر إذا امتلأ من الدنيا أخذه الله، كما قال: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حتى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أوتوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} [الأنعام: 44] ."
(كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(28)
وفي"كيْفَ"معنى التعجب من فعلهم وليست باستفهام، ولكنها توبيخ وتعجب.
والعرب تسمي الشيء الممتنع ميتاً؛ يقولون:"هَذَا أَمْرٌ مَيِّتٌ"إذا كان ممتنعاً.
وقيل: معناه كنتم تراباً، يعني به آدم صلى الله عليه وسلم فجعلكم ذوي حياة.
وقيل: معناه فأحياكم يعني في القبر للمساءلة ثم يميتكم في القبر بعد المساءلة، ثم يحييكم يوم القيامة. ويلزم قائل هذا أن تكون الآية إنما خوطب بها أهل القبور، وذلك بعيد إلا أن يحمل على أنه [خطاب لمن حضر] . والمراد به آباؤهم وأسلافهم.
ويكون"تكفرون"بمعنى في موضع"كفرتم"وفيه بعد. و"قد"مضمرة مع"كنتم"لأنه حال مما قبله.
وقيل: المعنى أنهم كانوا أمواتاً في أصلاب الآباء ثم أحياهم في الأرحام، ثم يميتهم في الدنيا عند انقضاء آجالهم، ثم يحييهم يوم القيامة.
وقيل: المعنى أنه أحياهم إذ أخرجهم من ظهر آدم لأخذ الميثاق، وقد كانوا أمواتاً لا حياة فيهم.
وقيل: أيضاً: الموتة الأولى هي موتة النطفة في وقت خروجها من الرجل إلى الرحم لأن كل ما في الحي فهو حي حتى [يفارقه فيكون] في عداد الأموات، وكذلك الأعضاء إذا فارقت الحي فهي ميتة، فكل ما في الإنسان من أعضائه وما يلزم جسده حي حتى يفارقه فيكون ميتاً.