«فإنْ قيلَ» : هما سَوَاء فِي امْتِثَال الْأَمر فَكيف يَخْتَلِفَانِ فِي الثَّوَاب؟ وَالْجَوَاب: أَن الله تَعَالَى يجوز أَن يثيب على الأشق أَكثر مِمَّا يثيب على الأسهل، وَقد وعد الثَّوَاب على صَوْم رَمَضَان مَا لم يعد على الصَّوْم الْمُخَير فِيهِ أَولا.
وَفِيه قَول آخر: أَنه أَرَادَ بقوله: {نأت بِخَير مِنْهَا} فِي نسخ الْقبْلَة خَاصَّة.
وَبِقَوْلِهِ: {أَو مثلهَا} على الْعُمُوم، وَذَلِكَ أَن التَّوَجُّه إِلَى الْكَعْبَة كَانَ خيرا للْعَرَب وأدعى لَهُم إِلَى الْإِسْلَام؛ إِذْ كَانَت فِي قُلُوبهم نفرة عَن التَّوَجُّه إِلَى الْبَيْت الْمُقَدّس؛ لِأَنَّهُ قبله الْيَهُود.
وَفِيه قَول ثَالِث: أَن المُرَاد بقوله: {نأت بِخَير مِنْهَا} يعْنى: فِي حَال نسخ الأول فَإِن الثَّانِي - الَّذِي نزل جَدِيدا وَيعْمل بِهِ - خير من الأول الْمَنْسُوخ الَّذِي لَا يعْمل بِهِ، وَهَذَا قَول بعيد.
قَوْله تَعَالَى: {حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ}
«فإنْ قيلَ» : مَا معنى قَوْله {حسدا من عِنْد أنفسهم} وَلَا يكون الْحَسَد من عِنْد الْغَيْر؟
قيل: مَعْنَاهُ: من تلقائهم لم ينزل بِهِ كتاب وَلَا ورد بِهِ أَمر.
وَقيل: فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير، وتقديرها: ود كثير من أهل الْكتاب من عِنْد أنفسهم لَو يردونكم من بعد إيمَانكُمْ كفَّارًا حسدا.
قَوْله تَعَالَى: {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117) }
«فَإِن قَالَ قَائِل» : كَيفَ قَالَ: فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ، والمعدوم لَا يُخَاطب؟
قيل: قد قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: مَعْنَاهُ: فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ أَي: لأجل تكوينه، فعلى هَذَا ذهب معنى الْخطاب.
وَقيل: هُوَ وَإِن كَانَ مَعْدُوما، لكنه لما قدر وجوده، وَهُوَ كَائِن لَا محَالة، كَانَ كالموجود: فصح الْخطاب.
وَفِيه قَول ثَالِث: أَنه خرج على مَا يفهمهُ النَّاس فِي الْعَادة؛ فَإِن كل من يُرِيد فعلا فإمَّا أَن يَقُول قولا، أَو يفعل فعلا. وَمَعْنَاهُ: التكوين فَحسب إِلَّا أَنه قَالَ: {فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ} لِأَنَّهُ كَذَا يفهمهُ النَّاس.
قَوْله تَعَالَى: {فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) }
«فإنْ قيلَ» : كَيفَ قَالَ: فَلَا تموتمن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ وَلَيْسَ بيدهم أَن لَا يموتوا إِلَّا مُسلمين؟