(إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا ...(26)
الحياء تغير وانكسار يعترى الإنسان من تخوّف ما يعاب به ويذم.
«فإن قلت» : كيف جاز وصف القديم سبحانه به «1» ولا يجوز عليه التغير والخوف والذم، وذلك في حديث سلمان قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: «إن اللَّه حي كريم «5» يستحي إذا رفع إليه العبد يديه أن يردّهما صفرا حتى يضع فيهما خيرا»؟
قلت: هو جار على سبيل التمثيل مثل تركه تخييب العبد وأنه لا يردّ يديه صفرا من عطائه لكرمه بترك من يترك ردّ المحتاج إليه حياء منه. وكذلك معنى قوله: (إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي) أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيى أن يتمثل بها لحقارتها. ويجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة، فقالوا: أما يستحيى رب محمد أن يضرب مثلا بالذباب والعنكبوت فجاءت على سبيل المقابلة
وإطباق الجواب على السؤال. وهو فنّ من كلامهم بديع، وطراز عجيب، منه قول أبي تمام:
مَنْ مُبْلِغٌ أَفْناءَ يَعْرُبَ كُلَّها ... أَنِّي بَنَيْتُ الجَارَ قبْلَ المَنْزِلِ «2» ؟
وشهد رجل عند شريح. فقال: إنك لسبط الشهادة. فقال الرجل: إنها لم تجعد عنى.
فقال: للَّه بلادك، وقبل شهادته. فالذي سوغ بناء الجار وتجعيد الشهادة هو مراعاة المشاكلة. ولولا بناء الدار لم يصح بناء الجار. وسبوطة الشهادة لامتنع تجعيدها. وللَّه درّ أمر التنزيل وإحاطته بفنون البلاغة وشعبها، لا تكاد تستغرب منها فنا إلا عثرت عليه فيه على أقوم مناهجه وأسدّ مدارجه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال محمود رحمه اللَّه: «إن قلت كيف جاز وصف اللَّه تعالى بالاستحيائية ... الخ» ؟
قال أحمد رحمه اللَّه:
ولقائل أن يقول: ما الذي دعاه إلى تأويل الآية مع أن الحياء الذي يخشى نسبة ظاهره إلى اللَّه تعالى مسلوب في الآية كقولنا: اللَّه ليس بجسم ولا بجوهر في معرض التنزيه والتقديس. وأما تأويل الحديث فمستقيم، لأن الحياء فيه ثبت للَّه تعالى. وللزمخشري أن يجيب بأن السلب في مثل هذا إنما يطرأ على ما يمكن نسبته إلى المسلوب عنه. إذ مفهوم نفي الاستحياء عنه في شيء خاص، ثبوت الاستحياء في غيره، فالحاجة داعية إلى تأويله لما أفضى إليه مفهومه.
وإنما يتوجه السؤال لو كان الاستحياء مسلوبا مطلقا، كقولنا: اللَّه لا يحول ولا يزول فإن ذلك لا يثبت ومحال، بل يقال: هو مقدس منزه مطلقا.
(2) لأبى تمام. وفناء الدار: ما امتد من جوانبها، وجمعه أفنية. ويقال: هو من أفناء الناس، إذا لم يعلم من أي قبيلة هو، أي من أطرافهم. ويعرب: اسم قبيلة، وبناء الجار: اتخاذه، سماه بناء للمشاكلة التقديرية حيث قرنه بما يبني وهو المنزل وهو مجاز بجامع مطلق الاتخاذ أو علاقته المجاورة الذهنية أو اللفظية، وهذه العلاقة تجرى في كل مشاكلة. ولم يرتضه بعضهم، واختار أنها إن لم يوجد لها علاقة فهي قسم رابع لا حقيقة ولا مجاز ولا كناية.