ألا ترى أَن من قال: لا نكاح إلا بشهود، لا يسأل أن: لِم قلت: إن النكاح يجوز بالشهود؟ ولكن يسأَل أنْ: لِمَ قلت: إنه لا يجوز بغير شهود؟ فعلى ذلك قوله: (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى) ليس فيه إثبات الدخول لهم تصريحًا، وفيه نفي دخول غيرهم تصريحًا، واللَّه أعلم.
قوله تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ(113)
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف عاتبهم بهذا القول، وقد أَمر نبيه - عليه السلام - في آية أُخرى أَن يقول لهم ذلك: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ) ؟.
قيل: إنما أَمر نبيه: أَن يقول لهم: إنهم ليسوا على شيء إذا لم يقيموا التوراة، فأما إذا أَقاموا التوراة - وفيها أَمر لهم بالإسلام، واتباع الرسول مُحَمَّد - فهُم على شيء .
ومعنى هذا الكلام - واللَّه أعلم - أن قال لهم: كيف قلتم ذلك، وعندكم من الكتاب ما يبين لكم، ويميز الحق من الباطل، ويرفع مِن بينكم الاختلاف، لو تأَملتم فيه وتدبرتم؟!
ويحتمل: أَن كل فريق منهم لما قال لفريق آخر ذلك: أنهم ليسو على شيء ، أكذبهم اللَّه - تعالى - ورد عليهم: بلى من أَسلم منهم فهم على شيء ؛ لأَنه كان أَسلم من أَوائلهم.
ويحتمل: أَنهم ليسوا على شيء ، على نفس دعاويهم، وقولِهم في اللَّه بما لا يليق، وهم على شيء ، في تكذيب بعضهم بعضًا بما قالوا.
قوله تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) .
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف نهى رسوله عن اتباع ملتهم على علم منه: أنه لا يتبع؟
قيل: لأن العصمة لا تزيل المحنة، ولا تدفعها، بل المحنة إنما تقع في العصمة لوجهين:
أحدهما: أن عصمته لِمَا مضى لا توجب عصمته في الحادث.