وقال قوم: كان منهم من استحق العتاب من طريقِ الخطر بالقلوب، لا من طريق الزلة - التي هي العصيان - ولكنهم يعاتبون على أمثال ذلك - وإن لم تبلغ بهم المعصية - لعلو شأْنهم، ولعظمِ قدرهم.
كما قد عاتب اللَّه نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في أشياءَ وإن لم يكن ذلك منه معصية؛ كقوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنك...) الآية.
وقوله: (وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ) .
وقوله: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ...) الآية. ولم يكن إثم في ذلك، وقال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ...) الآية؛ لأنه، من غير أَن كان منه عصيان؛ فمثل ذلك أمر الملائِكة.
قوله تعالى: (وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ...) الآية.
«لقائلٍ أن يقول» : أَليس فيما كان فريقٌ منهم يسمعُون كلام اللَّه ثم يحرفونه ما يجب أَن يدفع الطمع عن إيمان هَؤُلَاءِ؟
فهو - واللَّه أعلم - لوجهين:
أَحدهما: أَنهم كانوا أصحاب تقليد؛ كقوله: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) .
فأخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أَن هَؤُلَاءِ - وإن رأَوا الآيات العجيبة - فإنهم لا يؤمنون أَبدًا؛ لأَنهم أَصحاب تقليد، لا ينظرون إلى الحجج والآيات.
والثاني: أَنهم - معَ كثرة ما عاينوا من الآيات، وشاهدوا من العجائب في عهد رسول اِلله موسى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لم يطمع في إيمانهم، فكيف طمعتم أَنتم في إيمان هَؤُلَاءِ، وهم أتباعهم؟ واللَّه الموفق.
ولهذا وجهان آخران:
أحدهما: كأنه قال: لا تطمع في إيمانهم؛ لأَنهم - في علم اللَّه على ما عليه من ذكر.