والثالث: أن التولي والإعراض في دلك مثل مأخوذ من سلوك الطريق، وإذا اعتبرنا حال سالك المنهج في ترك سلوكه، فله حالتان، إحداهما: أن يرجع عوده على بدئه، وذاك هو التولي، والثانية: أن يترك النهج ويأخذ في
عرض الطريق متخطياً، وذلك هو الإعراض والمتولي أقرب أمرا من المعرض، ولأنه متى ندم على رجوعه سهل عليه العودة إلى سلوك المنهج، وأخذ في عرض المفازة إلى طلب منهجه، فيعسر عليه العود إليه، فمتى جعل الخطابان لفريق واحد، فذلك غاية الذم، فإنهم جمعوا بين العود عن السلوك والإعراض عن المسلك، ومتى جعل (توليتم) للسلف، وأنتم معرضون للخلف، فتنبيه أنكم شر من أسلافكم، فقد كان منهم التولي، ومنكم الإعراض، والآية منطوية على عامة الأحكام الاعتقادية والعلمية والآداب الشرعية ومكارم الأخلاق، وفيها ذم لبني إسرائيل أن مع أخذ الميثاق منهم بذلك لم يكن من أكثرهم الوفاء به.
قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ}
«إن قيل» : كيف أخذ ميثاقهم أن لا يفعلوا ذلك بأنفسهم مع كون الإنسان مضطرا لأن يفعل بها ذلك؟
قيل في ذلك أجوبة:
الأول: لا يفعل ذلك بعضكم ببعض، وإليه ذهب قتادة وأبو العالية.
الثاني: لا يفعلن أحدكم ذلك بالآخر، فيفعل به، فيكون في حكم فاعله بنفسه،
الثالث: لا تفعلوا ما يؤدي بكم إلى صرفكم عن الحياة الأبدية الجاري مجرى القتل، وهو العذاب الأليم، ولا تفعلوا ما تحرمون به على أنفسكم الجنة التي هي داركم فتكونوا في حكم من أخرج نفسه من داره، وعلى ذلك قوله: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} ، وعلى هذا حمل قوله تعالى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ}
أي: شغلوهم بما يعود بوبالهم وحرموا العلم.
قوله {أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ}
«فإن قيل» : ما الفرق بين الإقرار والشهادة؟