الْوَجْهُ السَّابِعُ فِي الْجَوَابِ: مَا رَوَيْنَا عَنْ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها) [الْبَقَرَةِ: 286] وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا النَّسْخَ إِنَّمَا يَصِحُّ لَوْ قُلْنَا: إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ هَذَا النَّسْخِ مَأْمُورِينَ بِالِاحْتِرَازِ عَنْ تِلْكَ الْخَوَاطِرِ الَّتِي كَانُوا عَاجِزِينَ عَنْ دَفْعِهَا، وَذَلِكَ بَاطِلٌ، لِأَنَّ التَّكْلِيفَ قَطُّ مَا وَرَدَ إِلَّا بِمَا فِي الْقُدْرَةِ، وَلِذَلِكَ
قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ السَّمْحَةِ»
وَالثَّانِي: أَنَّ النَّسْخَ إِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لَوْ دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى حُصُولِ الْعِقَابِ عَلَى تِلْكَ الْخَوَاطِرِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْآيَةَ لَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ نَسْخَ الْخَبَرِ لَا يَجُوزُ إِنَّمَا الْجَائِزُ هو نسخ الأوامر والنواهي.
واعلم أن الناس اخْتِلَافًا فِي أَنَّ الْخَبَرَ هَلْ يُنْسَخُ أَمْ لا؟ وقد ذكرنا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ: (وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) وَقَدْ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ (لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) أَنَّهُ كَامِلُ الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ، وَبَيَّنَ بِقَوْلِهِ (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ)
أَنَّهُ كَامِلُ الْعِلْمِ وَالْإِحَاطَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أنه كامل القدرة مستولي عَلَى كُلِّ الْمُمْكِنَاتِ بِالْقَهْرِ وَالْقُدْرَةِ وَالتَّكْوِينِ وَالْإِعْدَامِ وَلَا كَمَالَ أَعْلَى وَأَعْظَمَ مِنْ حُصُولِ الْكَمَالِ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ وَالْمَوْصُوفُ بِهَذِهِ الْكَمَالَاتِ يَجِبُ عَلَى كُلِّ عَاقِلٍ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا مُنْقَادًا لَهُ، خَاضِعًا لِأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ مُحْتَرِزًا عَنْ سَخَطِهِ ونواهيه، وبالله التوفيق.