الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْأَمْرِ لَكَانَ ذَلِكَ يُوهِمُ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ إِلَّا إِذَا شَرَعْتَ فِيهَا بِالْقَصْدِ وَالِاخْتِيَارِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَلَوْ مَاتَ الزَّوْجُ وَلَمْ تَعْلَمِ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ حَتَّى انْقَضَتِ الْعِدَّةُ وَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ كَافِيًا فِي الْمَقْصُودِ، لِأَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ مَأْمُورَةً بِذَلِكَ لَمْ تَخْرُجْ عَنِ الْعُهْدَةِ إِلَّا إِذَا قَصَدَتْ أَدَاءَ التَّكْلِيفِ، أَمَّا لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا التَّكْلِيفَ بِلَفْظِ الْخَبَرِ زَالَ ذَلِكَ الْوَهْمُ، وَعُرِفَ أَنَّهُ مَهْمَا انْقَضَتْ هَذِهِ الْعِدَّةُ حَصَلَ الْمَقْصُودُ، سَوَاءٌ عَلِمَتْ ذَلِكَ أَوْ لَمْ تَعْلَمْ وَسَوَاءٌ شَرَعَتْ فِي الْعِدَّةِ بِالرِّضَا أَوْ بِالْغَضَبِ
الثَّانِي: قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : التَّعْبِيرُ عَنِ الْأَمْرِ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ يُفِيدُ تَأْكِيدَ الْأَمْرِ إِشْعَارًا بِأَنَّهُ مِمَّا يَجِبُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْمُسَارَعَةِ إِلَى امْتِثَالِهِ، فَكَأَنَّهُنَّ امْتَثَلْنَ الْأَمْرَ بِالتَّرَبُّصِ فَهُوَ يُخْبِرُ عَنْهُ مَوْجُودًا، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُمْ فِي الدُّعَاءِ: رَحِمَكَ اللَّهُ أُخْرِجَ فِي صُورَةِ الْخَبَرِ ثِقَةً بِالْإِجَابَةِ كَأَنَّهَا وُجِدَتِ الرَّحْمَةُ فَهُوَ يُخْبِرُ عَنْهَا.
السُّؤَالُ الثَّالِثُ: لَوْ قَالَ يَتَرَبَّصُ الْمُطَّلَقَاتُ: لَكَانَ ذَلِكَ جُمْلَةً مِنْ فِعْلٍ وَفَاعِلٍ، فَمَا الْحِكْمَةُ فِي تَرْكِ ذَلِكَ، وَجَعْلِ الْمُطَلَّقَاتِ مُبْتَدَأً، ثُمَّ قَوْلِهِ: (يَتَرَبَّصْنَ) إسناد الْفِعْلِ إِلَى الْفَاعِلِ، ثُمَّ جَعْلِ هَذِهِ الْجُمْلَةَ خَبَرًا عَنْ ذَلِكَ الْمُبْتَدَأِ.