عن أبي بردة، عن أبيه قال: أخرجت إلينا عائشة رضي الله عنها كساء ملبدا، وإزارا غليظا، فقالت: قبض روح رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين.
وقوله: (عن أبي بردة) ، بضم فسكون: الفقيه، كان من نبلاء العلماء، وهو جد أبي الحسن الأشعري.
وقوله: (عن أبيه) أي: أبي موسى الأشعري الصحابي المشهور، واسمه عبد الله بن قيس. وفي أكثر النسخ: إسقاط عن أبيه، ومع ذلك فالحديث غير مرسل، لأن أبا بردة يروي عن عائشة.
قوله: (أخرجت إلينا عائشة) إلخ، كانت رضي الله عنها حفظت هذا الكساء والإزار اللذين قبض فيهما رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل التبرك بهما، وقد كان عندها أيضا جبة طيالسية كان صلى الله عليه وسلم يلبسها، فلما ماتت عائشة أخذتها أختها أسماء، فكانت عندها تستشفي بها المرضي، كما أخبرت بذلك أسماء في حديثها في مسلم.
قوله: (کساء ملبدا) بصيغة اسم المفعول. والكساء: ما يستر أعلى البدن ضد الإزار، والملبد: المرقع، كما قاله النووي في شرح مسلم، قال ثعلب: يقال للرقعة التي يرقع بها القميص: لبدة، وقيل: هو الذي ثخن وسطه حتى صار کاللبد.
وقوله: (وإزارا غليظا) أي: خشنا.
وقوله: (فقالت: قبض روح رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين أرادت أنهما كانا لباسه وقت مفارقته الدنيا صلى الله عليه وسلم، مع ما فيها من الرثاثة والخشونة، فلم يكترث صلى الله عليه وسلم بزخرفة الدنيا ولا بمتاعها الفاني، مع أن ذلك كان بعد فتح الفتوح، وفي قوة الإسلام، وكمال سلطانه.
ويؤخذ من ذلك: أنه ينبغي للإنسان أن يجعل آخر عمره محلا لترك الزينة. وقد عمد الصوفية إلى لزوم لباس الصوف، وتفاخر فيه بعضهم، فخرجوا عن الطريق التي هم بسبيلها، كما قاله ابن العربي.