الصفحة 52 من 55

فقد قرأتُ أسئلتكم حول ما علّقتُه على البحث، مما ترجح لي، وإن لم يكن لديّ مراجع، ولا قرأت فيه غير ما كتبتَ في رسالتك هذه.

وأقول حول هذه الأسئلة:

1 -أولا: الذي يظهر أن الطرب الذي هو خفة تُثير النفس لفرحٍ أو حُزن ... الخ. لا يلزم ذمه ولا تحريمه إذا حصل من آثار سماع شيء مُفيد، فإن هذا الفرح في النفس يحصل من سماع القرآن، ومن سماع المواعظ ونحوها، حتى قال بعض الزهّاد:"إن عجائب القرآن أطرن نومي، ما أخرج من أعجوبة إلاّ دخلت في أخرى". وقال بعضهم:"إنه ليمر بالقلب أوقات يرقص فيها طربًا"أقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا، إنهم لفي عيش طيّب.

وقد نقلتم عن ابن تيمية قوله:"أن الصوت يُؤثر في النفس بحسنه، فتارة يُفرح ... وإذا قوى أسكر الروح ... كما يحصل للنفس إذا سكرت بالرقص، وذكر أن السكر هو الطرب ... الخ."

ويدل عليه الأبيات التي ذكرها ابن القيّم في (الإغاثة) ومنها قول الشاعر:

إن لم يكن خمر الجسوم فإنه ... خمر العقول مماثل ومضاهي

فانظر لنشوانٍ عند شرابه ... وانظر إلى النشوان عند ملاهي

وانظر إلى تمزيق ذا أثوابه ... من بعد تمزيق الفؤاد اللاهي

فهذا هو الطرب المذموم، فأما الطرب الذي هو فرحٌ في النفس، وارتياحٌ إلى الكلام الحسن، وتأثر به في السيرة والمنهج، فإنه وإن سُمي طربًا فإنه مُباح، أو ممدوح؛ لآثاره الطيبة، فأما آلات الطرب من المعازف والأعواد ونحوها، فهي مُحرمة لذاتها ولو لم تُستعمل، بل يجب إتلافها ولو لم يحصل للسامع شيء من الحركة ونحوها؛ لتسميتها آلات لهو ولعب.

2 -وثانيًا: لا شك أن سماع الصوفية منذ بدئه لم يكن مثل القصائد التي يقرأها الناظم في المجتمعات، وفيها أحكام ومواعظ، وإنما كان منذ نشأ يُنشد بطريقة التلحين والترقيق، وعلى حالة مُبتدعة أنكرها الشافعي وغيرها، وإلاّ فقد كان للشافعي قصائد زهديات تؤثر في السامعين كقوله:

ومن يذق الدنيا فإني طعمتها ... وسيق إلينا عذبها وعذابها

فلم أرها إلاّ غرورًا وباطلًا ... كما لاح في ظهر الفلاة سرابها

وفي كلام ابن رجب الذي ذكرتم ما يدل على أن تلك القصائد مُتضمنة للزهد والترقيق والتخويف، وأن أهل السلوك والعبادة يستمعون ذلك للفائدة، وأن تلحينه كان نادرًا يُقصد منه استجلاب القلوب، وأنه بعد صار منهم مَن يضرب على جلد، يعني طبلًا، ويسمونه (تغبيرًا) ، وهذا هو السبب في تحريمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت