قال ابن كثير رحمه الله -في الآية: {وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ} [لقمان: 34] -:"أي: ما حملت من ذكر أو أنثى، أو حسن أو قبيح، أو شقي أو سعيد، أو طويل العمر أو قصيره، كما قال تعالى: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم: 32] " (تفسير ابن كثير: 4/ 435) .
وقال أيضًا:"وكذلك لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه" (تفسير ابن كثير: 6/ 352) . تأمل: مما يريد أن يخلق، فإن خلقه لم يكن غيبًا، وإنما استتر بظلمات ثلاث، فإن انقشعت عُلم نوعُه، وبقي حاله غيبًا.
3/ هؤلاء الكهان والعرافون أحيانًا يَصْدُقون.
والجواب: وفي الغالب يكذبون!!
وهذا الصدق الذي يكون أحيانًا يُعزى لواحدٍ من ثلاثة أمور:
الأول: إما أن يكون من وحي الشياطين. كما قال تعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ *تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ *يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} [الشعراء:221 - 223] . وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَنْزِلُ فِي الْعَنَانِ -وَهُوَ السَّحَابُ- فَتَذْكُرُ الْأَمْرَ قُضِيَ فِي السَّمَاءِ فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ فَتَسْمَعُهُ فَتُوحِيهِ إِلَى الْكُهَّانِ فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ» رواه البخاري. فإذا استرق السمع فربما أدركه الشهاب قبل أن يُلقي بالخبر إلى من تحته، وربما أدركه بعد ذلك، فيُوحى إلى الكاهن ومعه مائة كذبة، فقوله صلى الله عليه وسلم: «فيكذبون معها» أي: الشياطين.
وعن عَائِشَةَ رضي الله عنها: سَأَلَ أُنَاسٌ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ الْكُهَّانِ، فَقَالَ لَهُمْ: «لَيْسُوا بِشَيْءٍ» . قَالُوا: يَا رَسُولَ الله فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ أَحْيَانًا بِالشَّيْءِ يَكُونُ حَقًّا؟ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنْ الْحَقِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ، فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ قَرَّ الدَّجَاجَةِ، فَيَخْلِطُونَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ» رواه البخاري.
ولو كذب عليك شخصٌ مرة واحدة لكان العقل أن لا تصدقه أبدًا، فكيف يُصدَّق سفيه كافر يتلقى الخبر ومعه مائة كذبة.
وقد حَدَّث ساحرٌ تائب أن من الحيل التي كانوا يستخدمونها لإضلال الناس: أن يأتي إلى الساحر رجل، فيطلب قرين الساحر-الشيطان- من قرين الرجل أن يوسوس إليه بأمر، فيتفق القرينان على أمر معين يُخبر به الساحر، فيفكر فيه الرجل، فيقول له الساحر: أنت تفكر في كذا. فيتعجب الرجل وما يدري أن الساحر والقرينين تلاعبوا به!
الثاني: قد يكون مصادفةً محضة. يُسأل العراف عن شيء، ولا يوجد غير احتمالين، فيخمِّن ويصدق.
الثالث: قد يخبر العراف عن شيء ويصدق باستنتاج منطقي سليم. أي: يقرأ الواقع الدال على ما أخبر به.