مقدمات مهمات
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، بعثه الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدًا، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على طريقته واتبع سنته وسلَّم تسليمًا كثيرًا، أما بعد؛
فإن اسم هذا البرنامج (حق الله) [1] .
وإذا كان الأمر كذلك فإن من المناسب أن يكون البدء بسؤال: ما هو حق الله؟
حق الله بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ففي الحديث المتفق على صحته عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - قال: كنت رِدْفَ النبي صلى الله عليه وسلم على حمار يقال له عُفير، فقال: «يا معاذَ بن جبل» . قلت: لبيك رسول الله وسعديك. ثم سار ساعة، ثم قال: «يا معاذ بن جبل» . قلت: لبيك رسول الله وسعديك. ثم سار ساعة، ثم قال: «يا معاذ بن جبل» . قلت: لبيك رسول الله وسعديك. قال: «هل تدري ما حق الله على العباد» ؟ قال: قلت الله ورسوله أعلم. قال: «فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» . ثم سار ساعة، قال: «يا معاذ بن جبل» . قلت: لبيك رسول الله وسعديك. قال: «هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك» ؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «أن لا يعذبهم» .
والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. فمن قام بذلك واجتنب الشرك بالله فقد قام بحق الله، ومن قام بحق الله فإن الله لا يعذبه، وعذاب الآخرة يكون بالنار، فإذا وقاه الله النار فإنه من أهل الجنة؛ لأنه ليس في الآخرة منزلة بين المنزلتين، فإنما هي جنة أو نار.
وقد خلق الله الناس من أجل القيام بهذا الحق. قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56) . قال القرطبي رحمه الله:"والتعبيد: الاستعباد، وهو أن يتخذه عبدا. وكذلك الاعتباد. والعبادة: الطاعة، والتعبد: التنسك. فمعنى {لِيَعْبُدُونِ} : ليذلوا ويخضعوا ويعبدوا" (تفسير القرطبي: 17/ 56) .
فما خلقنا الله ليتكثر بنا من قلة، أو يعتز بنا من ذلة، أو يستقوي بنا من ضعف {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى الله وَالله هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى الله بِعَزِيزٍ} [فاطر/15 - 17] .
فالمقصود من خلقك يا عبد الله: أن توحد الله، وأن تعبده، وأن تستعين به في أمرك كله، أن تأتمر بأمره وتحبَّه، أن تنتهي عما نهاك عنه وتبغضَه، وما أُرسل المرسلون وما نزلت الكتب، وما قام سوق الجنة والنار، وما سُلَّت سيوف المجاهدين إلا لهذا.
قال تعالى عن نوح عليه السلام: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا الله إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} [هود/25، 26] . وقال: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ} [هود/50] . وقال: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ} [هود/61] . وقال: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ
(1) / برنامج إذاعي من سبع عشرة حلقة كنت قد ألقيته عبر إذاعة طيبة بالسودان في رمضان 1431 هـ.