أقسام التوحيد
التوحيد في اللغة: مشتق من وحد يوحد إذ جعل الشيء واحدًا. وفي الشرع: إفراد الله تعالى بما يختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.
فتوحيد الربوبية: إفراد الله بالخلق والملك والتدبير.
الإفراد بالخلق: أن تعتقد أنه لا خالق إلا الله تعالى. ودليل ذلك قول الله: {ألا له الخلق والأمر} [الأعراف/54] . وتقديم ما حقه التأخير يدل على الحصر. قال ابن تيمية رحمه الله:"فإن الرب سبحانه هو المالك المدبر المعطي المانع الضار النافع الخافض الرافع المعز المذل، فمن شهد أن المعطي أو المانع أو الضار أو النافع أو المعز أو المذل غيره فقد أشرك بربوبيته" (الفتاوى: 1/ 92) .
ويشكل على هذا أن المخلوق يخلق، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا بأنه يقال للمصورين يوم القيامة: «أحيوا ما خلقتم» رواه البخاري ومسلم. فهذا لا يعارض أنه لا خالق سوى الله؛ لأن الله يوجد من العدم، أما المخلوق فإنه يحول الشيء من حال إلى حال.
وأما إفراد الله بالملك، وهو أن تعتقد أنه لا يملك الخلق إلا الخالق، قال تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ} [البقرة/107] ، وقال: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [آل عمران/189] ، وقال: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ [المائدة/120] .
ولقائل أن يقول: كيف يجب علينا إفراد الله بالملك والمخلوق يملك، فأنت تملك بيتًا أو مالًا أو أثاثًا؟ فالجواب: أن ملك المخلوق قاصر؛ فإني أملك ما تحت يدي ولا أملك ما عندك. وهذا الذي أملكه ليس لي أن أتصرف فيه كما أحب، بل أنا مقيد في ذلك بشرع الله، ولهذا لا يجوز لي أن أقدم على حرق مالي، أو تعذيب بهيمتي، وإذا فعلت ذلك كنت آثمًا، أما ملك الله تعالى فإنه شامل لكل شيء، وله أن يفعل فيه ما شاء.
ومن التوحيد: إفراد الله بالتدبير. وهو اعتقادك بأنه لا مدبر إلا الله.
وقد مر معنا أن هذا القسم من التوحيد أقر به المشركون ولم ينكره إلا فرعون، وإنما أنكره مكابرة، فإن الله تعالى أخبرنا بقول موسى عليه السلام له: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا [الإسراء/102] ولم يقل: لم أعلم. أي: علمت أنه ما أنزل تلك المعجزات التسع الشاهدة على صدق نبوتي إلا رب السماوات والأرض؛ لتكون دلالات يَستدِل بها أولوا البصائر على وحدانية الله تعالى في ربوبيته وألوهيته. والله تعالى قال: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل/14] .
وقد مر معنا أن المشركين مقرون بهذا النوع .. ففي تأويل هذه الآية: {وما يؤمنُ أكثرُهم بالله إلا وهم مشركون} قال ابن عباس رضي الله عنهما: من إيمانهم إذا قيل لهم: مَن خلق السماء؟ ومن خلق الأرض؟ ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله. وهم مشركون". وقال عكرمة رحمه الله:"يعلمون أنه ربُّهم، وأنه خلقهم، وهم يشركون به". وقال:"من إيمانهم إذا قيل لهم: من خلق السماوات؟ قالوا: الله. وإذا سئلوا: من خلقهم؟ قالوا: الله. وهم يشركون به بَعْدُ". وقال مجاهد رحمه الله:"إيمانهم قولهم: الله خالقُنا، ويرزقنا ويميتنا، فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيرَه"وانظر لهذه الآثار تفسير الطبري (16/ 286) . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم رحمه الله:"ليس أحدٌ يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمن بالله ويعرف أن الله ربُّه وأن الله خالقه ورازقه، وهو يشرك به. ألا ترى كيف