لا يعلم الغيب إلا الله
ولعلي أبدأ هنا بسؤال لأجيب نفسي بنفسي ..
لماذا الحديث عن علم الغيب في (حق الله) ؟
والجواب: أنّ عدم الاعتقاد الصحيح في هذا الباب يزج فيما يناقض التوحيد، فهل أتى الناس الكهان والعرافين إلا بسبب الاعتقاد الفاسد في باب علم الغيب؟
وبعد هذه المقدمة أقول:
أثنى الله تبارك وتعالى على نفسه بصفة العلم في كثير من آي القرآن الكريم، فقال تعالى: {الله الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ الله قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق:12] . ومدح نفسه سبحانه بعلم الغيب فقال: {الله يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} [الرعد: 8 - 9] ، وقال: {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [السجدة 6] ، وقال: {عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [المؤمنون: 92] . وقال: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [التغابن:18] ، وقال: {هُوَ الله الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [الحشر:22] .
ومما يجب علينا أن نعتقده: أنه لا يعلم الغيب إلا الله، فلا يشارك اللهَ فيه نبي مرسل، ولا ملك مقرب، ولا ولي صالح .. قال سبحانه وتعالى: {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا الله وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل 65] . والحصر في لغة العرب له طرق عديدة، أقواها ما كان بالنفي والإثبات، وهذه الآية أعلمتنا أن علم الغيب مختص بالله سبحانه، لا يعلم الغيب إلا الله.
وقال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} [الجن: 26 - 27] . فلا يعلم الرسول من الغيب إلا القدرَ الذي أذن فيه الله تعالى.
وقال تعالى: {إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لقمان 34] . قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ: {إِنَّ الله عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنْزِلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ} » رواه البخاري.
إن أفضل الأنبياء -وهم أولوا العزم من الرسل- لا يعلمون الغيب، وأولوا العزم هم من ورد ذكرهم في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا} [الأحزاب 7] .
وأبدأ في بيان ذلك مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ..