الصفحة 19 من 65

الدعاء لله

إذا كان الشرك صرف العبادة لغير الله فإن من أوضح صوره ومظاهره: دعاء غير الله. وهل يشك أحد في أن الدعاء عبادة؟ لا إخال هذا؛ فإن الله أمر به في كتابه، قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر/60] . وفي السنة نجد قول نبينا صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة» رواه الأربعة [1] .

وقد اتخذ القرآن عددا من الأساليب والتدابير لئلا تصرف هذه العبادة لغير الله، منها:

1/ النهي عن دعاء غير الله تعالى:

قال تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ الله أَحَدًا} [الجن/18] .

قال السعدي رحمه الله:"أي: لا دعاء عبادة، ولا دعاء مسألة؛ فإن المساجد التي هي أعظم محال العبادة مبنية على الإخلاص لله، والخضوع لعظمته، والاستكانة لعزته" (تفسير السعدي، ص 890) .

وقال: {وَلَا تَدْعُ مَعَ الله إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص/88] .

2/ الترهيب عن دعاء غير الله تعالى:

قال تعالى: {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ} [يونس/106] .

وقال: {فَلَا تَدْعُ مَعَ الله إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ} [الشعراء/213] .

3/ مخاطبة عقول من يدعو غير الله:

وفائدة هذا الأسلوب أنهم ربما ثابوا به إلى رشدهم، وإلا كان مانعًا لغيرهم.

قال سبحانه: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا} [فاطر/40] . فإذا كان هذا الذي يُصرف إليه الدعاء لم يخلق شيئًا، ولم يشارك الله تعالى في الخلق والإيجاد، ولم يأتهم كتاب يأمرهم بعبادة الأوثان، فلا مُسوِّغ لهذا الشرك. قال السعدي رحمه الله:"فإذا لم يخلقوا شيئًا. ولم يشركوا الخلق في خلقه فلم عبدتموهم ودعوتموهم مع إقراركم بعجزهم؟! فانتفى الدليل العقلي على صحة عبادتهم ودل على بطلانها. ثم ذكر الدليل السمعي وأنه أيضا منتف. فلهذا قال: {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا} يتكلم بما كانوا به يشركون. يأمرهم بالشرك وعبادة الأوثان. {فَهُمْ} في شركهم {عَلَى بَيِّنَةٍ مِّنْهُ} أي: من ذلك الكتاب الذي نزل عليهم في صحة الشرك. ليس الأمر كذلك" (تفسير السعدي، ص 691) .

(1) / الأربعة: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت