باقي الجرائم تثبت بشاهدين على الأكثر) كما تثبت بالاعتراف والإقرار المتكرِّر أربع مرات كما سيأتي بالتفصيل، فإذا شهد ثلاثةٌ عدول ولم يكن لهم رابعٌ فَقَد حَقَّ عليهم حدُّ القذف أي ثمانين جَلْدة لِكُلٍّ منهم، ولا تُقْبَلُ له شهادة، ويعتبرُ في المُجْتمع من الفاسِقين، فإما أربعة شهود وإما السُّكوت والسَّتْر، وإلا فحدُّ القذف، وذلك لا يكاد يثبت إلا بإستعلان وفجور ولا مبالاة، وأيضًا فَرَضَ الله في السُّورة حد الزنا للبكر في الآية الثانية، كما فرض حد الزاني المحصن بالرجم في الآية التي رفع ونسخ تلاوتها وبقي حُكمُها. والمُرَادُ هنا أنه في النظام والمجتمع الإسلامي لا عذر يُهَوِّن من شأن جريمة الزنا، ولا تكاد تثبت بالشُّهود إلا على فاجر مستعلن بلا مبالاة يتعدى ضرره على المجتمع كله فيجب بتْره منه إن كان مُحْصَنًا.
6 ـ إنَّ من يؤمِنَ بالله (وأسمائه وصفاته) واليوم الآخر (ومشاهده وأهواله وجَنَّتِهِ ونَارِه) لَيَعْلَم يَقينًا أن جميع العقوبات الشرعية من رحمة الله بعباده ورأفته بهم الداخلة في قوله تعالى: (( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) )وبخاصة عقوبة الزاني، لأنَّها: -
أولًا: أدوية نافعة لا غنى عنها في حياة المسلمين؛ لأنَّ تطبيقها الذي يَشهَده الناس هو الذي يمنع وقوعها ابتداء ولا يحوج إلى اللجوء إليها إلا في أضيق الحدود، فهو أسلوب ترْبوي وقائي أكثر من أن يكون انتقامًا بعد الوقوع وليس كالمجتمعات التي تطبق فيها العقوبات الوضعية، ومع ذلك فالجريمة تزداد فيها ازديادًا هائلًا بما يتبع ذلك من الفساد والانحلال المترامي بالأمم إلى الهلاك والاندحار، علاوة على ما يَنْتَظِر الناس في الآخرة، وأيضًا ففي تطبيق العقوبة الشرعية تربية عمليَّة على أخذ الإسلام بقوة وجديَّة، فالأمر جِدٌّ لا هَزْل فيه، فيعود ذلك بالخير الكثير على الأمة في دينها ودنياها.
وثانيًا: بمقارنتها بعذاب الله في الآخرة، فمثلًا إذا كان الرَّجْم قتلًا بالحجارة بإيلام وعذاب، فهو رَدْعٌ وزجْرٌ عن الوقوع في الزنا وانتشاره في الناس، ثم هو تطهيرٌ لِمَنْ أقيم عليه، حيث لا يحتاج بعده إلى تطهيره منه في النار، ولا نسبة لآلام الرَّجم لدقائقَ معدودةٍ إلي عذاب الحريق، وعذابٍ بطعام الزَّقُّوم الذي يغلي في البطون كغلي الحميم، وعذاب بشرابِ الحميم والمهل يشوي الوجوه، وعذابٍ بمقامع من حديد، وعذابٍ بِصَبٍّ الحَمِيم فوق الرَّأس، وعذاب بالسحب على الوَجْه في النار، وعذاب بالأغلال والأنكال، وغير ذلك كثير من الأهوال ولمدة لا يعملها إلا اللهُ، فأين الرَّجْم من هذا!!! وإنما يَسْتَبشِعُه من لا يؤمن باليوم الآخر، أو من يؤمن به إيمانًا مُجْملًا ضعيفًا لا يعلم عن أهواله وتفاصيله شيئًا إلا القليل النادر وبدون تَصَوُّر، قال تعالى: ((