بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ )) يعني قَلَّ أو انْعَدَم عِلمُهم بالآخرة وتفاصيلها، وكذلك يَسْتَبْشِعُه من لا يعلم عن صفات الله إلاّ أنه الخالق الرزاق الرحمن الرحيم الطَّيِّب وهكذا مِنْ صِفَاتِ البِرِّ والإحسان والرَّحمةِ، لكن لا يعلم قوله: (( إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ) )وقوله: (( إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ) )وقوله: (( نَبِّاءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ ) )وقوله: (( إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ) )وقوله: (( فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ) )وقوله: (( وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ) )وقوله: (( وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا ) )وأن الله هو الملك الحَقِّ وقد تَجَّرأ عَبِيدُه عليه.
وهو الذي قال لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ) ).
إنه تعالى لا يَلْعَب ولا يَعْبث بخلقه السماوات والأرض والناس، بل خلقهم ليعبُدوه فيكونوا مَحلًا لإكرامه وفَضْله، ومن أبى يكون محلًا لِبطْشِه وعَدْلِهِ، فله تعالى حَقُّ العبادة والخضوع لأمره ونهيه، والاسْتِسْلام لأحكامه، والموافقة له فيما يحب ويكره، وفيما يوالي ويعادي، والمجاهدة في سبيله، أما هؤلاء الذين يسْتَبْشِعُون الحدود والأحكام فهم غالبًا لا يرَوْن لله حَقًّا إلا أنه يخْلقُ ويرزق ويُطْعِم ويَسْقِي ويَشْفِي ويُنَعِّم وانتهى الأمر، يعني كأنه سبحانه خادم لهم بلا حقوق، فلا حَوْلَ ولا قُوَّة إلا بالله.
7 ـ يعتمدٌ النِّظَامُ الإسْلامي في امْتِنَاع النَّاس عن الجريمة وقبول أحكامها واحْترِامِهَا، يَعْتمد على تَرْبيَة القلب على الإيمان بالله واليوم الآخر، وعلى مراقبة الله وخَوفِ مَقَامِهِ وعقابِه ورَجَاءَ لِقَائِهِ وثوابه ورحمته، وذلك كما سبق بمعرفة أسْماء الله وصفاتِهِ وآثارها ومقتضياتها، ومَعْلُوم أنَّ القَلْبَ مَلِكٌ والأعْضَاء جُنُودُه، فإذا صَلَح القَلْبُ صَلح الجَسَدُ كلُّه، فإذَا جَاءَ الحكْمُ الشَّرعِيُّ مُخَالِفًا للهوى ومقتضى الشَّهْوة، فإن القَلِب يُخْبِتُ لله ويَوْجلَ ويدفع اللِّسَانَ لأَن يَقُول سَمِعْنَا وأطَعْنا، والأعْضَاءَ لِمُسارعة الالتزام بالحكم. ولأهَمِّيةِ هذا الأَمْر نَضْربُ له مثالًا: -
لم يأت تَحرِيم الخَمْر إلا في السَّنَة الرابعة للهجْرَة [2] بعدما حَدَث التَّدرُّج في التحريم، وحَدَثَت التَّربيَةُ القَلبية المُنَاسِبَة للامْتِنَاع الفَوْري بقَوْلهم انتهينا ربَّنا انتهينا رَبَّنَا، وأُهْريقت الخمور على الأرض، وسَالَت منها سِكَكُ المدِينَة وانْتهى الأمر بعد أن كانت الخمر جُزْءًا من حَياتهم، وكانوا يَتَغنَّوْن بها وبأشعارها في الجاهلية.
أمّا في النِّظام العلماني في أمريكا مثلًا لما أردوا منع الخمر سنة 1919، أصدرت الحكومة قانونًا