3 ـ الله تعالى هو الملكُ الحَكَمُ الحق وكل الخلق عبيدُه، خلقهم ورَكَّب فيهم الشَّهَوات وأحياهم ورَزقهم ويُطْعِمُهم ويَسْقيهم ويَشْفِيهم ويُمِيتُهم ويَبْعثهم ويحاسبهم وهو أرحم بهم من الأم بولدها، فهو الذي يَحْكُم ما يريد، يغفر لمن يشاء ويُعَذِّب من يَشَاء، فلا اعتراضِ من العَبِيد على حُكْم المَلِك ولا مُراجعة بل سَمِعْنا وأطَعْنا، وأحْكامه تعالى تابِعةٌ لِصفاته، ومن صفاته غَيْرَتهُ الشَّدِيدَة أَنْ تُؤْتى محارِمُه، أَنْ يَزْنِي عَبْدهُ أَوْ أَمَتُه، كما في الصَّحِيحَيْن: (( أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ فَوَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، مِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ) ) [1] . ومن صفاته أنه العليم الحكيم الخبير، ويعلم الآثار المُدَمِّرة لإستعلان الفاحشة بغير رادع، والمسلم مستسلم لله وحده لا شريك له.
4 ـ لو أن الرَّجَلَ صاحِبَ الغيرة والنخوة، رأى امرأته أو ابْنَته أو أُخْتَه مَثَلًا في حالة زنا، فقد تدفعه غَيْرتُه وحَمِيَّة الجَاهِلِيَّة إلى محاولة القتل أو الفِتك بهما، فلو كرَّرْنا هذه الغَيْرةَ في جَمِيع الآدَمِيِّين وتَصَوَّرنَاها مُجْتَمِعةً في مَخْلُوقٍ فكْيفَ تَكُون؟! فكيف بغيْرَة خَالِقَها عَزَّ وَجَلَّ؟! فإذا اجْتَمعتْ لَهُ سُبْحَانه تِلْك الغَيْرة مَعَ كَمَال العِلْم والرّحْمَةِ والحْكْمة والخِبْرة لزم بالضرورة تَنَاسُب الحُكْمِ مع خطورةِ الجَريمة وحَالِ الزَّاني كما يلي: -
الأَمَةُ المُحْصَنَةُ خَمْسِين جَلْدَة فقط؛ لأنَّ لها من الظروف والضعف ما ليس عند الحرة.
الزاني والزَّانِية البِكْرَان الغيْرُ مُحْصَنَانِ مائة جلدة لِكُلِّ مِنْهُما.
الزَّاني والزَّانية المحصنان الرَّجم؛ حيث عرف طريق النكاح الصحيح وما معه من السَّكن والمَوَدَّة وذاقه وأخذ عليه أجرًا، فكيف يَعْتاضُ عنه بالحرّام!!
5 ـ افتتح اللهُ سورةَ النور بقوله تعالى: (( سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا. . . الآية ) )، فَفَرض أحْكَامَ السُّورةِ فرْضًا، وهي السورة التي تضمنت جُلَّ النِّظَام الإِسْلاَمي المُحْكمِ في التعامُلِ مَعَ الشَّهْوةِ المُرَكَّبة في الإنْسان وعُنْفِ إِلْحَاحِهَا على البَشَر، ومن ذلك فَرْضُ الإجراءات والتدابير الواقيةِ مِنَ الفاحشةِ والتي تصل إلى تسعة عشر إجراءً منها: تَيْسِيْر الزواج للجميع (( وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) ).
وآداب دخول البيوت وآداب النظر وآداب الاستئذان وآداب التعامل مع الأطفال ثم إذا بلغوا الحُلُم، ولا يتَّسع المُقَام هنا لبيان تلك التَّدابِير المبْسُوطة في السُّورة والتي فرضها الله فرضًا، كما فرضَ الضوَابط المُشَدَّدة المشروطة في إثبات الجريمة التي لا تثبت إلا بأربعة شهود عدول (مع أن