قال القاضي أبو الوليد:"وعندي أن مَن اختار المقام والاستيطان بالثغر وموضع الخوف للرباط خاصة، وأنه لولا ذلك لأمكنه المقام بغير ذلك من البلاد - له حكم الرباط، والله أعلم، انتهى."
قلت: وأبو الوليد الباجي هنا مخالف للمذهب؛ إذ إن المذهب هو ما قرَّره ابن زيد القيرواني في رسالته؛ حيث قال:"فمَن سكن الثغور بأهله وولده ليس مرابطًا، وإنما المرابط مَن خرج من منزله معتقدًا الرباط"، ووافق أبا الوليد على ما ذهب إليه أبو الحسن العدوي المالكي، فقال: - في شرحه لرسالة أبي يزيد - ردًّا عليه [1] : لا يَخفَى أن هذا لا يتفرَّع؛ لأن الإقامة للحراسة تجامع السكنى بالأهل، ووافقهما على ذلك أيضًا أحمد بن غُنَيم النفراوي في"الفواكه الدواني. [2] "
ثم قال أبو الوليد [3] : إذا كان الثغر رباطًا لموضع الخوف، ثم ارتفعت المخافة لقوة الإسلام بذلك الموضع، أو بُعْد العدو عنهم؛ فإن حكم الرباط يزول عنهم.
وقد سئل مالك عمَّن جعل شيئًا في سبيل الله: أيجعله في جُدَّة - بلد معروفة بالسعودية الآن؟ قال: لا، قيل له: فإنه قد كان بها خوف، قال: فإنه قد ذهب؛ انتهى.
وقال ابن قدامة - رحمه الله: [4]
فصل: ومذهب أبي عبدالله كراهة نقل النساء والذرية إلى الثغور المخوفة، وهو قول الحسن، والأوزاعي؛ لما روى يزيد بن عبدالله قال: قال عمر: لا تُنْزِلوا المسلمين ضفة
(1) حاشية العدوي على شرح كفاية القيرواني ج 1/ 481.
(2) الفواكه الدواني على رسالة القيرواني ج 4/ 451.
(3) المنتقي شرح الموطأ - ج 3/ 22 ح 851.
(4) المغني - ابن قدامة - ج 10/ 374.