ولعدم تداخل هذه المواضيع بعضها ببعض؛ آثرنا أن نفرد لكل قسم من هذه الأقسام فصلًا يشتمل على أهم الأحاديث التي تدل عليه تخصيصًا، وإن تداخلتْ بعض الأحاديث مع بعضها بيَّنا ذلك، ثم نتبع هذه الأحاديث في كل قسم بما يتناسب معها من أقوال العلماء العاملين المعتبرين، والتي بها يتضح أهم ما تشتمل عليه هذه الأحاديث من أحكام ومعانٍ.
وبعد النظر في هذه الأحاديث، وجدنا أنها تدور حول أربعة محاور رئيسية:
أولها: فضل الرباط.
ثانيها: مكانته.
ثالثها: مكانه.
رابعها: مدته و وقته.
فالفرع الأول منها:
[1] ما جاء عن عقبة بن عامر - رضي الله عنه:
قال الإمام أحمد - رحمه الله: حدثنا عبدالله بن يزيد، ثنا ابن لهيعة، عن مشرح بن هاعان، قال: سمعت عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( كلُّ ميت يختم على عمله، إلا المرابط في سبيل الله؛ فإنه يجرى له عمله حتى يبعث ) ). [1]
(1) صحيح لغيره: رواه الإمام أحمد في مسنده ج 4/ 150 ح 17492، 17493، ج 4/ 157 ح 17571، 17572، ورواه في ح 17397، من طريق قتيبة بن سعيد عن ابن لهيعة، والدارمي في سننه ج 2/ 278 ح 2425، والحارث ابن أبي أسامة في مسنده (زوائد) ج 2/ 652 ح 628، والطبراني في الكبير ج 17/ 307 ح 748، وأبو الحسن الطوسي في"الأربعين"أيضًا ج 1/ 41 ح 23، وأبو الفرج السنار في"الأربعين"أيضًا ج 1/ 85 ح 38؛ وهذا إسناد رجاله ثقات، إلا ما كان من حال ابن لهيعة؛ فأحاديثه ضعيفة عند مَن لا يرضاه، قال في"مجمع الزوائد"ج 5/ 347: رواه الطبراني، وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن.
قلت: بل حديثه هنا يصحح؛ لأنه من طريق عبدالله بن يزيد المقرئ، وقتيبة بن سعيد؛ كما عند أحمد، وهما قد سمعا من ابن لهيعة قبل اختلاطه اتفاقًا بين العلماء.
بل إني وجدت له طريقًا آخر يؤكِّد هذا، وهي رواية عبدالله بن المبارك عنه كما في"الجهاد"له ج 1/ 179 ح 178، قال: أخبرني ابن لهيعة، أخبرني عبدالله بن هبيرة، قال اخبرني ابو مصعب قال: سمعت عقبة ... فذكره.
وسماع ابن المبارك من ابن لهيعة صحيح أيضًا؛ لأنه قبل الاختلاط.
وأبو مصعب هو: مشرح بن هاعان - المذكور - المعافري المصري ثقة مقبول.
وفي الباب شواهد من حديث سلمان، وفضالة بن عبيد، وعبادة بن الصامت، وغيرهم؛ يتقوَّى بهم الحديث، والله أعلم.