فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 69

خيولهم - أي: المسلمون وأعداؤهم - في ثَغْرهم، وكلٌّ مُعِدٌّ لصاحبه، فسُمِّي المقام في الثغر: رباطًا، وسيأتي مزيد إيضاح لهذه المعاني أثناء البحث - إن شاء الله [1] .

قال الله - عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200] .

قال الإمام الطبري - رحمه الله: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك: فقال بعضهم معنى ذلك:"اصبروا على دينكم، وصابروا الكفار، واربطوا على عدوِّكم"، وذكر - رحمه الله - أن هذا قول الحسن، وقتادة، وابن جُرَيج، والضحَّاك، ومحمد بن كعب القَرَظِي، وزيد بن أسلم، ثم ذكر أثرًا عن أبي عبيدة بن الجرَّاح، قال: حدثنا مُطرِّف بن عبدالله المدني، حدثنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، قال: كتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب، فذكر له جموعًا من الروم، وما يتخوَّف منهم، فكتب إليه عمر:

أمَّا بعدُ: فإنه مهما نزَل بعبدٍ مؤمن من منزلة شدة، يَجعل الله بعدها فرَجًا؛ فإنه لن يَغلِب عسرٌ يُسرَين، وإن الله يقول في كتابه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ} الآيةَ [2] .

(1) راجع معني الرباط لغة واصطلاحًا في: تهذيب اللغة ج 4/ 303، تاج العروس ج 1/ 841، المعجم الوسيط ج 1/ 671، مختار الصحاح ج 1/ 267، لسان العرب ج 7/ 302، فتح الباري ج 6/ 86، فتح القدير ج 12/ 378.

(2) حسن لغيره؛ رواه مالك في الموطأ ج 2/ 446 ح 961، ومن طريقه الطبري في تفسيره ج 7/ 503 ح 8393، وهذا إسناد منقطع: زيد بن أسلم القرشي مولى عمر بن الخطاب، لم يسمع منه شيئًا، ولكن هذا الانقطاع وصله ابن أبي الدنيا في"الفرج بعد الشدة"ج 1/ 32 ح 31، ومن طريقه البيهقي في"شُعَب الإيمان"ج 7/ 205 ح 10010، من طريق خالد بن خداش، قال: حدثني عبدالله بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أسلم أن أبا عبيدة ... فذكَره، وخالد بن خداش صدوقٌ يُخطِئ في بعض حديثه، ولكن لا يرد حديثه، ويقوي خالدًا هذا متابعةُ ابن المبارك له؛ كما جاء عند الحاكم موصولًا في المستدرك ج 2/ 575 ح 3949 من طريق عبدالله بن المبارك، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب، أنه بلغه أن أبا عبيدة حُصِر بالشام ... ، فذكر مثل الحديث الأول، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يُخرجاه، ووافقَه الذهبي.

قلت: هشام بن سعد شيخ ابن المبارك، نعم روى له مسلم، ولكن في المتابعات والشواهد وليس في الأصول؛ إذ إنه ممن ضعِّف، قال أحمد: لم يكن بالحافظ، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال ابن عدي: على ضعفه يكتب حديثه، فرد الذهبي ذلك، وقال: حسن الحديث، ولخَّص ابن حجر حاله، فقال: صدوق له أوهام"، انتهى، ومثل هذا يحسن حديثه إن توبع، والله أعلم، والحديث ذكره ابن كثير في تفسيره ج 2/ 202، والسخاوي في"المقاصد الحسنة"ج 1/ 639، وقال فيه: وطريق الحاكم أصح طرقه، وتَبِعه في ذلك العجلوني في"كشف الخفاء"ج 2/ 149."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت