الثغور للرباط فيه، لا لعدو يرتقب نزوله، ويترك الغزو إلى بلاد العدو؛ فقد ترك الأفضل؛ لأن دخوله إلى أرض العدو نكاية فيهم، وإهانة لهم، وفيه مع ذلك حفظ للمسلمين؛ لأن نكاية العدو تضعفهم عن غزو المسلمين.
وقد قال علي بن أبي طالب: ما غَزَا قوم في عقر دارهم إلا ذلوا؛ انتهى.
قلت: وهذا تفصيل جيِّد، يعلم منه متى يكون الرباط أولى من الجهاد والعكس، هذا مع الجهاد، أما تفضيله على المقام بمكة والمدينة مجاورًا؛ فهو قول كثير من الناس، وإليك البيان:
قال ابن القيم - رحمه الله - [1] :
وسئل أحمد: هل المقام بالثغر أفضل من المقام بمكة؟ فقال: إي والله.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية [2] : هل حرس ليلة على ساحل البحر أفضل من عمل رجل في أهله ألف سنة، ومن سكنى مكة، والبيت المقدَّس، والمدينة المنورة، على نية العبادة والانقطاع إلى الله - تعالى - والسكنى بدمياط، ولإسكندرية، وطرابلس على نية الرباط، أيهم أفضل؟
فقال: الحمد لله، بل المقام في ثغور المسلمين؛ كالثغور الشامية والمصرية أفضل من المجاورة في المساجد الثلاثة، وما أعلم في هذا نزاعًا لأهل العلم، وقد نصَّ على ذلك غير واحد من الأئمة؛ وذلك لأن الرباط من جنس الجهاد، والمجاورة غايتُها أن تكون من جنس الحج؛ كما قال - تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ. . .} [التوبة: 19] الآية، ثم ذكر أحاديث سلمان، وعثمان، وأبي هريرة في فضل الجهاد؛ انتهى بتصرف.
(1) أعلام الموقعين - ابن قيم الجوزية - ج 4/ 215.
(2) مجموع الفتاوي - ابن تيمية - ج 3/ 531 مسألة 772.